WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Nov 28, 2010
 
فرسان الديموقراطية في العالم العربي ... تنقصهم الخيول

السبت, 27 نوفمبر 2010

إبراهيم عرفات *


للروائي المصري علاء الأسواني عبارة بسيطة يختتم بها مقالاته، صاغها على هيئة شعار يقول «الديموقراطية هي الحل». وفي رأي البعض، فإن الأسواني تعمد بهذه العبارة معارضة الشعار المعروف لجماعة الإخوان المسلمين الذي يردد أن «الإسلام هو الحل». لكن من لا يرون تناقضاً بين الإسلام والديموقراطية لا يوافقون على أن الأسواني ابتكر شعاره نكايةً بالإخوان، وإنما ليذكّر الجميع بأن هناك حلاً رحباً في مقدوره أن يستوعب كل التيارات والديانات، يتعايش في ظله الجميع اسمه الديموقراطية. وبعيداً من الحكم على نية الأسواني، فما يهم هو الحكم على صحة الشعار نفسه. والشعار صحيح تماماً. وهذه ليست وجهة نظر وإنما حقيقة تؤكدها الأدلة والتجارب. فما طبقت أمة الديموقراطية بصدق إلا وتقدمت، وما غرقت أمة في الاستبداد إلا وتخلفت.


لكن العالم العربي على رغم كل الأدلة والتجارب، سواء التي خاضها أو تلك التي سمع عنها، يبقى هو الأقل حظاً في العالم في مستوى الديموقراطية. ولم تنجح تجربة السنوات الخمس الأخيرة في أن تكون استثناءً من تاريخ عربي طويل، لا يقل عن قرنين، لم يبرز فيه فرسان للديموقراطية إلا وخبا نجمهم.


كان الظن قبل خمس أو ست سنوات أن ربيع الديموقراطية قد هبّ أخيراً على العالم العربي وأن مظاهر الحراك السياسي والحيوية الإعلامية والجرأة الجماهيرية وصلت إلى حد لا يمكن إيقافه. وشجع على هذا الاعتقاد ما أبدته الحكومات العربية نفسها من اهتمام غير معهود بالمسألة الديموقراطية، وهو ما عكسه البيان الختامي للقمة العربية في تونس في ايار (مايو) 2004، وتعهد فيه القادة العرب، وكما ورد في النص، «مواصلة الاصلاح والتحديث في بلداننا... من خلال تعزيز الممارسة الديموقراطية وتوسيع المشاركة في المجال السياسي والشأن العام». وهو التعهـــد الذي واكبه تأسيس منابر ومراصـــد ومؤسسات تتابع وترعى عملية التـــحول الديموقراطي. وظهر مع هذه المـــنابر وبفضل حالة الحراك السياسي غير المسبوقة فرسان في أكثـــر من بلد عربي، كان أبرزهم في مصـــر، كتبوا وتظاهروا وأسسوا تجمعـــات وقادوا تحركات من أجل إتمام المهمـــة التاريخية التي طالما استعصت على كل من سبقهم.


لكن المهمة لم تتم، وباتت تواجه حالياً وضعاً بالغ الصعوبة. فبعد ست سنوات من المحاولات الدؤوبة تبين أن ربيع الديموقراطية في العالم العربي يقترب من نهايته إن لم يكن قد وصل إليها بالفعل. اتضح أنه كان ربيعاً كاذباً، وأن الفرسان على رغم محاولاتهم واجبة التقدير، كانوا يخوضون معركةً من دون أسلحة تناسب المهمة، في مقدمها سلاح الجمهور الذي كان دائماً هو الفيصل في تجارب التحول الديموقراطي الناجحة في العالم بأسره شرقاً وغرباً.


ومما يحمل على الأسى أن افتقار فرسان الديموقراطية لهذا السلاح لم يكن جديداً. فالسلبية الشعبية في العالم العربي لها تاريخ طويل وقد يكون لها مستقبل أطول. وقد ظن فرسان الديموقراطية أن هذه السلبية ستنتهي على أيديهم. لكنها لم تنته وإنما كررت نفسها بطريقة تكاد تكون مطابقة لما حدث في مناسبات تاريخية أخرى ظن دعاة الحرية أن الشعب لن يخذلهم فيها فخذلهم.محمد البرادعي، مثلاً، اعتقد أن الشارع الناقم على الأوضاع المعيشية الصعبة وسياسات الحكومة المنحازة الى الأثرياء سيلبي دعوته وسيقف معه بالملايين. قال للناس من البداية «قفوا معي كي أقف معكم». لكن على رغم الفروسية التي أبداها، لم يجد من الناس رد الفعل الذي كان يتوقعه. وهو ما يشبه ما لاقاه فارس مصري آخر أقدم وأهم بكثير من البرادعي راهن على أن قضيته الــوطنية ستنجح في حشد الناس من خلفه، وأعني به أحمد عرابي. ضحى عرابي بالغالي والنفيس في مواجهة استبداد الخديوي ومن أجل الدفاع عـــن مصر ضد الانكليز ثم وجد الناس تنفضّ من حوله. فما كان منه إلا أن قال عبارته البليغة: «يا أبناء وادي النيل الذي عز خلاصه، إلى متى وأنتم عاكفون على الفكاهات ومضـــاحك الحكايات ومحال الترهات؟ وإلى أين تذهـــب بكم المذاهب وتغيب بكم الغياهب وتخدعكم الكواذب».


كان الدعم الجماهيري ولا يزال هو السلاح المفقود الذي جعل فرسان الديموقراطية بلا جياد. وعلى رغم ما توافر لهم من أسلحة أخرى، إلا أنها لم تكن لتصمد أمام ترسانة متمرسة من آليات القهر والتحكم. فالدعم الخارجي مثلاً تبين أنه يعمل ضد فرسان الديموقراطية أكثر مما يعمل من أجل قضيتهم. ووسائل الإعلام التي أتاحت لهم نافذة يشرحون من خلالها قضيتهم كانت وسائل إعلام أخرى أكثر منها عدداً تقف في وجهها ولا همّ لها إلا تشويه صورة الفرسان وتسفيه قضيتهم. ناهيك عن التضييق والتحرش والاستفزاز التي تعرضوا لها من جانب جهات الإدارة والأمن.


وليس لوقوف فرسان الديموقراطية اليوم بلا جياد إلا تفسير واحد هو أن السلطوية كسبت الجولة الأخيرة وبدأت تستعيد كثيراً من أنفاسها. ربما لم ولن تسترد السلطوية العربية أمجادها كما كانت قبل خمسين أو ستين عاماً لكنها بفضل الذكاء الذي اكتسبته بخبرة السنين وقدرتها الهائلة على التكيف مع مختلف الظروف تمكنت من وأد ربيع الديموقراطية الذي لم تكن تريحها نسماته. والدليل على نجاحها أنها تركت فرسان الديموقراطية ينادون بتعــديل الدساتير ونزاهة الانتخابات فيما واصلت هي هندسة كل ما في السياسة وعلى كيفها. فلم تعدّل الدساتير إلا بالطريقة التي تعجبها ولم تجر الانتخابات إلا بالطريقة التي تريدها. ثم يأتي دليل أهم من هذا وهو أنها نجحت في أن تفرض على الناس القضايا الكبرى التي يتكلمون في خصوصها. كان فرسان الديموقراطية يريدون أن يتناقش الناس حول الحريات ومحاربة الظلم والتصدي للاستبداد وأن يعرفوا أكثر عن حقوقهم وأن يتعلموا كيف يشاركون وكيف يصوتون وكيف يراقبون الانتخابات وسلوك المسؤولين. لكن كل هذا انزوى الآن أمام قضايا أخرى هي عند الناس أخطر وأعظم وأهم.


لم تعد الغالبية العربية، وربما لم تكن يوماً، يهمها حديث فرسان الديموقراطية عن أولوية الديموقراطية. ما يهم الغالبية وما يعنيها في المقام الأول والأخير مسائل معيشية مباشرة مثل أسعار السلع وأزمة المواد الغذائية ومشكلة البطالة. ولو برزت مسألة أخرى يهتم بها العامة غير تلك المسائل فليست الديموقراطية من بينها. فعندما تكون تداعيات القرار الظني في لبنان في شأن اغتيال الرئيس رفيق الحريري هي الهاجس الجماهيري، وعندما يكون انقسام البلد إلى اثنين بعد أيام هو الموضوع الأول في السودان، وعندما تصبح «القاعدة» حديث الساعة في اليمن والجزيرة العربية، وعندما تتقدم أخبار الخلاف بين السنّة والشيعة ما يتلقفه الناس من أخبار، وعندما ينشغل المصريون بتدبير لقمة العيش فلا يمكن مع كل هذا أن يكون فرسان الديموقراطية قد نجحوا في لفت انتباه الناس إلى القضية التي كرسوا أنفسهم من أجلها.


ومن الطبيعي مع انتكاسة الديموقراطية أن ينقسم فرسان القضية إلى فريقين أحدهما يترجل مبتعداً والآخر يواصل ويتحمل. ولا لوم على الفريق الأول وكل من ترجل طالما أنه يبتعد لسبب مقنع. وليس غير التقدير الرفيع لكل من يصر على أن يواصل ويتحمل.


وفي ظني أن أغلب من ترجل من فرسان الديموقراطية لم يترجل نهائياً وإنما هو في حاجة لاستراحة سيظل خلالها على تعاطفه مع من قرر أن يواصل ويتحمل. أما من يتحمل فقد باتت مهمته أثقل وهو يرى بعض رفاقه من الفرسان قد تركوه وترجلوا، ويرى الجياد التي علق عليها آماله لا تزال على سلبيتها. والنوعان معاً، من يترجل ومن يتحمل، يؤكدان أن الديموقراطية في العالم العربي لا يبنيها فرسان وإنما ستظل تنتظر الجياد.


والجياد إلى الآن لا تصهل وهو ما يتيح للسلطوية باستمرار أن تجدد نفسها. صحيح أن الديموقراطية كما يقول الأسواني هي الحل، لكن مفتاح الحل ليس في يد الفرسان وإنما للغرابة في يد من يتمنى التغيير ولا يعرف أن المفتاح في يده.

* أكاديمي مصري


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved