WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Nov 28, 2010
Source: جريدة النهار اللبنانية
 
الإخوان المسلمون والإرهاب والإسلام السياسي

بقلم غسان المفلح


ككل الظواهر في المنطقة الشرق الاوسطية ومنذ أكثر من قرنين تقريبا، كانت ظاهرة الدين السياسي عبارة عن نتاج لاجتياح الغرب بكل حمولته للمنطقة، والتي لم تظهر نتائجها إلا مع بدايات القرن العشرين واضمحلال الامبراطورية العثمانية ودخول الاستعمار الأوروبي الى المنطقة. حيث أن ترتيب البيت السياسي في منطقة الشرق الأوسط عموما، من حدود الهند وحتى المغرب العربي، كان مهمة عسيرة للاجتياح الغربي لهذه المنطقة، دول تنشأ وشعوب تتعرف على حضارة جديدة ومنتجاتها، وجيوش تدخل وتخرج، وحروب عالمية لتقاسم النفوذ، صراع ضار على الأسواق والثروات. رفض للاستعمار وتقليد لحضارته والثالثة تجمع بين الاثنتين، ثلاث نزعات أصيلة رافقت هذا التاريخ وحتى اللحظة. بدأت تتشكل الظواهر السياسية في المنطقة منذ أن أصبح هنالك مقرات للبعثات التبشيرية في المدن الرئيسية، في القاهرة ودمشق وبيروت وحلب، حيث عرفت تحت اسم جمعيات، ومنها من أخذ حيّزه في سياق النضال من أجل الاستقلال العربي عن الآستانة.


ما يهمنا هنا هو تسيس الظاهرة الدينية إسلاميا. نزعم أن هذه الظاهرة بدأت تحت أعين الاستعمار الانكليزي في مصر، وفي سياق ماذكرناه أعلاه، حتى أنتجت ما يعرف حتى اليوم بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين.


الحركة نشأت عام 1928، على يد الشيخ المؤسس حسن البنا، وفي عام 1931 بعد اشهار الجماعة برز نشاطها في القاهرة حيث أسس البنا عددا من الشُعَب في أكثر من محافظة. تعامل معها الانكليز بصفتها ظاهرة سياسية بالدرجة الأولى، أي يمكن تصنيفها إنكليزيا بكونها حزبا سياسيا، لمواجهة فاعلية شيوخ ورموز النهضة العربية الأولى، وكتبهم التي بدأت تشكل مرجعا لتيارات سياسية ذات طابع استقلالي، أو التي كانت تطالب بخروج الاستعمار الانكليزي، هذا على المستوى الفكري، إضافة الى مواجهتها لأحزاب أخرى كانت تكتسح الساحة السياسية كحزب الوفد.
ومما يذكره الباحث المصري عبد الرحيم علي في كتابه عن تاريخ الحركة هو علاقة الإخوان بالشيوعيين حيث طلب حسن البنا الذي اغتيل عام 1949من السفارة الاميركية تكوين مكتب مشترك بين الاخوان والاميركيين لمكافحة الشيوعية على أن يكون معظم أعضائه من الإخوان، وتتولى اميركا ادارة المكتب ودفع مرتبات أعضاء الاخوان فيه. وهذا الطلب، إن صح، فهو يدل على عمق العلاقة كتبادل مصلحي.


إن الاغتيالات من جهة والتحالف بين القصر المحمي من الانكليز والأخوان المسلمين من جهة ثانية، هما ما ميز المرحلة التأسيسية للإخوان ومابعدها حتى منتصف الخمسينات من القرن العشرين. وما يهمنا هنا في أية مراجعة لتاريخ حركة الإخوان المسلمين، التركيز على نقطتين غاية من الأهمية وهما:
الأولى أن الاغتيالات السياسية في تلك الفترة كانت منتشرة في كل الحركات السياسية في العالم وليست مقتصرة على الإخوان.
والثانية والأهم أن الإنكليز وكل العالم الغربي، والقوى السياسية المصرية كانت تتعامل مع الإخوان بصفتهم حزبا سياسيا في الدرجة الأولى والأخيرة، ولم يجرِ التعامل معهم على أنهم تعبير أو ممثل سياسي وثقافي للإسلام وللمسلمين، وبقيت هذه المعاملة حتى التسعينات من القرن الماضي!


في هذا التاريخ الذي يزيد على ستة عقود تقريبا، كان النظر الى العنف مشطورا بانشطار العالم إلى معسكرين، منهم من يراه عنفا ثوريا، (المعسكر الشرقي بزعامة السوفيات)، ومنهم من يراه إجراما (المعسكر الغربي)، ولكن الأطرف من كل هذا، أن مفهوم العنف الإجرامي (الإرهاب) كان يتبدل من مكان إلى آخر، فتارة الغرب يمجد العنف ويساعده في مكان ويجرّمه في مكان آخر، وتارة أيضا السوفيات يجرمون العنف في مكان ويساعدونه ويعتبرونه ثوريا في مكان آخر، في تبادل أدوار ومواقع ورمزيات بين الغرب والشرق حسب الرؤى والمصالح. مثال ذلك ان الغرب لم يجرم آنذاك أي نوع من أنواع العنف الذي مارسه الإخوان المسلمون في كل دول العالم، لسبب بسيط أنه كان موجها ضد القوى المحسوبة على المعسكر الشرقي. لهذا كانت الدول التي تسمى إسلامية في غالبيتها تعيش معركة في صفوف الغرب ضد الشرق. طبيعة هذا الصراع كانت تفرض هذا النوع من التعامل مع ظاهرة العنف لأسباب سياسية، لكن الأهم من كل هذا أنهم أطراف سياسية تتصارع وتتبادل المواقع، وليست أطرافا دينية أو ثقافية قارة وثابتة.


وللمفارقة أيضا، فإن الغرب لم يستخدم حتى مفهوم الإسلام الأصولي إلا في العقد الأخير من القرن الماضي، بل كان يستخدم مفهوم الصحوة الإسلامية إبان السبعينات والثمانينات لمواجهة المد اليساري. لينبثق بعدها مفهوم الإرهاب (نشاط إيديولوجي يستخدم العنف الذي يهدف إلى التخويف من أجل تحقيق أهداف سياسية سواء بالإصالة عن نفسه أو بالنيابة عن طرف آخر). هذا المفهوم أول ما طبق على المقاومة الفلسطينية حتى قبل وجود حركة حماس أو حركة الجهاد الإسلامي. وبات الشهيد ياسر عرفات والشهيد جورج حبش أكبر إرهابيين في العالم!! رغم عدم وجود أي ملمح إسلاموي للمقاومة الفلسطينية آنذاك، حيث تتوزعها قوى يسارية وقومية عربية ووطنية فلسطينية ليس فيها ملمح إسلاموي. لهذا، الارهاب مصطلح لم يكن يعبر عن ثقافة أو دين بعينه إلا بعد أحداث 11 أيلول!!


الدلالة الأكثر حضورا للإرهاب هي العنف، والعنف الراهن لكونه مسلحاً فهو سياسي، والسلاح في الزمن الراهن والمتفجرات والعبوات الناسفة هي منتج سياسي، لا يمكن أن تصل الى أية مجموعة مهما صغرت أو كبرت دون دوافع سياسية وطرق سياسية ولأهداف سياسية. الارهاب سياسة لكنها عنيفة ومدمرة ولهذا يجب مناقشتها في الحقل السياسي. أما وأن المسيحيين يمثلون الحملة الصليبية أو الهولوكوست، والمسلمين يمثلون الارهاب فهذه خدمة مجانية للارهاب ذاته ولمن يقف خلفه من نظم إقليمية ودول أخرى... كما انه لا يمكننا فهم" الإسلام السياسي" إلا بتجادله مع دخول مجتمعاتنا الحداثة من جهة وبتبادل المنافع
والكراهية مع سلطات المنطقة وبقية العالم من جهة أخرى.


الإسلام السياسي مفرز حداثوي مهما كان رأي بعضنا فيه، هذا المفرز أيضا يتبادل المنفعة أحيانا مع الظواهر الارهابية، مهما كانت العلاقة بين الإرهاب والإسلام السياسي- وهنا أقصد تيارات الإخوان وغيرها ممن تتبنى النهج السلمي. فإن الأخير يرفض بشدة أن يقوده هذا الارهاب لأن تيارات الإسلام السياسي النخبوي أكثر من يعرف أن هذا الإرهاب هو سياسي ونتاج سياسي ويخدم نموذج سياسي أيضا. أن يقبل المتدين، من أي دين كان، العيش في دولة القانون والحريات والمؤسسات وتداول السلطات، هذا ما يلزمني من ثقافته وما تبقى هو مواطن مثلي مثله وإن اختلفت ثقافتنا... وحده الارهاب لا يقبل بهذا المنطق ولا يقبله ليس انطلاقا من موقف ديني بل انطلاقا من مصلحة سياسية مباشرة تحاول أن تجد مرجعا أيديولوجيا لها في الدين أو في القومية أو في العرقية للوصول إلى تحقيق أجندتها السياسية. بن لادن و"طالبان" نموذجا، وكل من يعتبر أن كل مسلم هو بن لادن نموذجا لكن في المقلب الآخر.


وكنت قد أشرت إلى أن هنالك فصلاً بين الإخوان المسلمين كحزب سياسي والإسلام السياسي بدلالاته المتداولة حاليا، وأيضا أميل الى أن مفهوم الإسلام السياسي، بات أكثر دلالة على القول بعبارة صريحة" أن كل المسلمين أفرادا وجماعات إرهابيون" هذه الدلالة التي يصار إلى تعميمها منذ أن رأى هذا المصطلح النور في الأدبيات والإعلام الغربي وغير الغربي. لماذا المسيحية السياسية في الغرب هي حزب سياسي ديمقراطي وليبرالي وعندنا يختصر الامر بعبارة" المسلمون إرهابيون" بدلالة مخفية أو صريحة؟
في النهاية ما يهم أيضا في نقاش هذه اللوحة الثلاثية (إخوان، إرهاب، إسلام سياسي) هو غياب موقع السلطة السياسية الراهنة في بلداننا عن حيز النقاش، وهذا أخطر ما في الموضوع برأيي. وغيابها يؤكد الدلالة التي ذهبنا إليها من انبثاق مصطلح الإسلام السياسي. وحدها النظم السياسية في منطقة الشرق الأوسط هي المستثناة كشخوص وكعائلات وكأفراد، وكأن لا دور لها في تاريخنا المعاصر!!
وفق هذا المنظور هل يمكننا الحديث عن دخول
مرحلة رابعة عنوانها تجربة حزب العدالة والتنمية التركي؟

 

( كاتب لبناني ) 


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved