WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Nov 28, 2010
Source: جريدة النهار اللبنانية
 
عصر ما بعد الديموقراطية: تضاؤل دور الاحزاب السياسية

بقلم الســـيد يســــين


لفت نظري ملف متميز نشرته مجلة "آفاق المستقبل" في عددها الصادر في ايلول وتشرين الأول 2010، والتي يصدرها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وهي مجلة ممتازة. ملف بعنوان "تراجع الإيديولوجيا... تقدم قوي المجتمع المدني". واشتمل الملف علي مقالات مهمة، وتصدرته مقالة للباحث العراقي حيدر سعيد عنوانها "نهاية الحزب... بداية المجتمع المدني".
وقد أثار فيها سؤالاً بالغ الأهمية، هو نهاية عصر الأحزاب السياسية وبداية عهد مؤسسات المجتمع المدني. وقد حاول من خلال عرض تاريخي وتحليلي متميز أن يدلل على صدق مقولته، والتي تحتاج إلى تأمل نقدي عميق.


غير أن مقدمة الملف والتي كان عنوانها "واقع الاجتماع السياسي العربي: من الأحزاب إلي المجتمع المدني وما بعده". اشتملت على مجموعة من الأفكار المحورية التي تحتاج إلى تحليل متعمق.
والمقولة الأولى تتضمن حكماً قاطعاً مفاده أنه في بلاد عربية متعددة تتبلور قوى سياسية واجتماعية جديدة، تحاول أن تقود العمل العام والشعبي والسياسي المنظم. وهذه القوى تتقدم لكي تشغل فراغاً يحدثه تراجع الأحزاب والإيديولوجيات.


والسؤال المهم هنا هو هل تراجعت الإيديولوجيات حقيقة أم أنه سقطت إيديولوجيات أو ضعفت وذوت، ولكن قامت بدلاً منها إيديولوجيات أخرى؟
في تقديرنا أنه لا يمكن الحكم على صدق المقولة إلا اذا رجعنا بالذاكرة إلى الجدل العالمي الذي أثارته طروحات عالم الاجتماع الأميركي الشهير دانيل بل والتي نشرها في السبعينيات عن "نهاية الإيديولوجية".


أثارت هذه الأطروحة جدلاً علمياً محتدما، وربما كان السبب أنها طرحت في سياق عالمي كانت تدور فيه المباراة الإيديولوجية الكبرى بين الشيوعية في تطبيقها السوفياتي، والرأسمالية التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية. ولذلك لم يكن الجدل حول الفكرة يتسم بالصفاء "الموضوعي" – إن صح التعبير – لأنه كان مشوباً بظلال الهجوم الرأسمالي على الماركسية وتطبيقها الماركسي اللينيني، باعتبار ذلك كان فصلاً من فصول الحرب الإيديولوجية التي دارت بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، خصوصاً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945.


وقد أتيح لي أن أتابع هذا الجدل الفكري المحتدم بحكم اهتماماتي المبكرة بعلم اجتماع المعرفة، ودراساتي التي نشرتها في مجلة "الكاتب" عام 1970 عقب عودتي من بعثتي العلمية إلى فرنسا، عن "الإيديولوجية والتكنولوجيا". وبدون أن نخوض في خضم التعريفات النظرية للإيديولوجيا يمكن أن نعتمد على تعريف كارل مانهايم رائد علم اجتماع المعرفة، والذي تحدث عن المفهوم العام للإيديولوجيا، ويعنى بها سمات وبناء التفكير الكلي لعصر ما أو لطبقة اجتماعية معينة، حين تكون معنية بسمات وتكوين البناء الكلي لهذا العصر أو لهذه الطبقة. والإيديولوجية هنا تعني جماع التصورات التي تعتنقها هذه الطبقة لتبرير وضعها في المجتمع.


وبناء على هذا التعريف نستطيع أن نخلص إلى نتيجة بالغة الأهمية وهي أن وجود الإيديولوجيات باعتبارها تعبر عن الأهداف الأساسية للمجتمع وتبريرها لصيق بوجود المجتمع الإنساني.
بعبارة أخرى قد تسقط إيديولوجية معينة كالشيوعية الجامدة أو الرأسمالية المتطرفة، ولكن لابد أن تنهض على أساسها إيديولوجيات أخرى لأنها ضرورية لتوجيه السلوك السياسي والاقتصادي والثقافي في المجتمع.


وهكذا يمكن القول إن الإيديولوجيات لم تتراجع، ولكن سقط بعضها في الممارسة، كما سقطت دولة الاتحاد السوفياتي نتيجة تناقضاتها الداخلية والضغوط الخارجية عليها، وكما سقطت الرأسمالية المتطرفة، ولكن حل محلها إيديولوجية أخرى هي الليبرالية الجديدة.


ولكننا – على العكس – نقبل مقولة تراجع الدور التقليدي للأحزاب السياسية، وصعود دور مؤسسات المجتمع المدني. ومنطق هذا التراجع – وهذا تفسير مهم للغاية - هو أننا نعيش عصر الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. ومشروع الحداثة الأوروبي هو الذي كان أساس مولد الدولة الحديثة بسلطاتها الثلاث التقليدية التنفيذية والتشريعية والقضائية، في ظل مبدأ الفصل بين السلطات، بالإضافة إلى معالم بارزة أخرى لعل أهمها على الإطلاق وجود دستور يحدد طبيعة النظام السياسي وينص على حقوق المواطنين وواجباتهم، وظهور الأحزاب السياسية باعتبارها أحد أسس النظام الديموقراطي الذي يقوم على أساس التعددية. وكل حزب من هذه الأحزاب عادة ما يتبنى إيديولوجية ما كالاشتراكية أو الرأسمالية يدعو لها، ويحاول تنفيذ برامجها لو حصل على الحكم في انتخابات نزيهة. بعبارة أخرى يتدرج الأفراد في إطار هذه الأحزاب السياسية المتعددة ويعتنقون إيديولوجياتها ويدافعون عنها وتصبح هي بمثابة الموجهات
الفكرية والسياسية لسلوكهم السياسي والاجتماعي والثقافي.


غير أنه وجهت لمشروع الحداثة الغربية انتقادات حادة عبر عنها دانيل بيل مرة في إحدى محاضراته حين قرر في عبارة قاطعة "أن الحداثة وصلت إلى منتهاها"، بمعنى أنها لم تحقق وعودها التي قامت على أساس احترام الفردية والعقلانية والاعتماد على العلم والتكنولوجيا لحل مشكلات البشر، وتبني نظرية "خطية" Linear عن التقدم، بمعنى أن التاريخ يتقدم من مرحلة إلى مرحلة أخرى.
وقد أدى هذا النقد العنيف - الذي ليس لدينا مجال للتفصيل فيه - إلى نشوء حركة "ما بعد الحداثة" والتي – على عكس حركة الحداثة – لا تتبنى مفاهيم عامة مجردة عن "الحقيقة"، ولا تنطلق من الإيديولوجيات أو "السرديات الكبرى" كالاشتراكية أو الماركسية أو الرأسمالية، ولا تقبل أن تدعي أي حركة فكرية أنها تمتلك الحقيقة المطلقة.


ولذلك أعلنت حركة "ما بعد الحداثة" سقوط الإيديولوجيات باعتبارها أنساقاً فكرية مغلقة، وصعود الأنساق الفكرية المفتوحة التي تقبل بالتأليف الخلاق بين تغيرات كان يظن من قبل أنه لا يمكن التأليف بينها، مثل العلمانية والدين، والقطاع العام والقطاع الخاص.


وهذه الأنساق الفكرية المفتوحة لم تعد تركز على المتن الرئيسي Text بالمعنى الواسع للكلمة، ولكن على الهوامش التي عاشت في ظلال الإهمال سنين طوالاً. بعبارة أخرى انتهى عهد الاهتمام بالطبقات الاجتماعية، وآن آوان التركيز على الشرائح الاجتماعية الطبقية، والجماعات الفرعية، والأقليات والأفراد.


لقد تحول الاهتمام من الأحزاب السياسية العريضة بتنوعاتها الإيديولوجية المختلفة، والتي أثبتت الممارسة الفعلية في نظم ديموقراطية شتى أنها عجزت عن إشباع الحاجات الأساسية للجماهير، وضاع التمايز في خطابها الإيديولوجي، بعد أن ذابت الفروق بين اليمين واليسار بسبب طغيان عصر العولمة وانهيار الحركات الإيديولوجية اليسارية وانهيار نظريات التخطيط الاقتصادي لحساب اقتصاديات السوق، مما أدى إلى صعود مؤسسات المجتمع المدني بأنماطها المتعددة والتي تركز على حقوق الأفراد السياسية والاقتصادية والثقافية بعيداً عن شعارات الإيديولوجيات الكلية التي كانت تدعي – في ظل مزاعم احتكار الحقيقة المطلقة –  حل مشكلات البشر.


وقد أدى ذلك إلى ضعف الإيمان بالأحزاب السياسية باعتبارها – وفقاً للعبارة الشهيرة – ممثلة لمصالح الجماهير، وتصاعدت الثقة في قدرة مؤسسات المجتمع المدني، التي لديها قدرة على التفاعل المباشر مع الناس وليس من خلال "ممثلين" عنهم سواء كانوا نواباً في المجالس المحلية أو المجالس النيابية، وخصوصاً أن فكرة "التمثيل" ذاتها وجهت لها انتقادات عنيفة في العقود الأخيرة من زوايا متعددة، لعل أهمها قاطبة أن من "يمثل" الناس عادة ما يتحول لكي يمثل الطبقة الاجتماعية المسيطرة، وهكذا تضيع حقوق البشر.


ولا يعني تقلص دور الأحزاب السياسية في مختلف الأنظمة الديموقراطية وصعود دور مؤسسات المجتمع المدني أن هذه المؤسسات تستطيع أن تقوم بالأدوار التي كانت تقوم بها الأحزاب السياسية بكفاءة في مراحل تاريخية سابقة، ولكن ما تستطيع أن نجزم به هو أن العالم كله وليس في المجتمع العربي فقط يمر بمرحلة انتقال سياسية كبرى من الديموقراطية التقليدية بأحزابها السياسية المتنافسة إلى عصر ما بعد الديموقراطية، والذي لم تتضح معالمه بعد، مثلما انتقل العالم من عصر الحداثة الى عصر ما بعد الحداثة وهو الأساس
لعصر العولمة بتجلياتها السياسية والاقتصادية والفكرية.


ومن هنا يمكن القول إن ربط ظاهرة تضاؤل دور الأحزاب السياسية بشكل عام بالانتقال من مرحلة الحداثة إلى مرحلة ما بعد الحداثة نراه تفسيراً بالغ الأهمية، لأنه يتجاوز التفسيرات السطحية التي سبق أن صيغت كمحاولة لفهم التحولات السياسية الكبرى في العالم.

(القاهرة)

(باحث مصري)


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved