|
رغم المحاولات التي تبذلها بعض القوى السياسية اللبنانية في فريق الاكثرية الحكومية لتسليط الضوء على الجلسات التي يعقدها مجلس الوزراء ومجلس النواب كعلامة استتباب للامور لمصلحة هذا الفريق راهناً، تبدو هذه الجلسات في مرتبة متراجعة من الاهتمامات الحقيقية فيما تتقدّم الى الواجهة بقوة صورة انعكاسات الأحداث الضخمة التي تشهدها سورية على الواقع اللبناني. ذلك ان الايام الاخيرة أبرزت عبر وجوه مختلفة تصاعداً ملحوظاً لهذه الانعكاسات سواء على المستوى السياسي او على مستوى الشارع بما يوحي الى ان لبنان يدور في جرم الانعكاسات السورية مع كل ما ينطوي عليه ذلك من احتمالات غامضة.
واذ شكل الاسبوع الماضي مسرحاً لسجالات كثيفة وحادة فجّرها نأي لبنان بنفسه وامتناعه عن التصويت الى جانب البيان الرئاسي الذي اصدره مجلس الامن الدولي في شأن ادانة العنف في سورية، بدت التظاهرات التي حصلت في بيروت وطرابلس (الشمال) وبعض البقاع الاوسط بمثابة الانعكاس العملاني للانقسامات الداخلية المتصاعدة حيال الحدَث السوري والمرتبطة بطبيعة الحال بواقع الصراع المتصاعد بين قوى 8 اذار و14 اذار.
ويمكن في هذا السياق رصد ظاهرة لافتة تمثلت في التظاهرات الكثيفة التي بدأت تحصل يومياً تقريباً في طرابلس، كما انضمت اليها بلدات في البقاع الاوسط تأييداً لثورة الشعب السوري على النظام. وهي تظاهرات تشكل في جانب منها ردة فعل على موقف لبنان الرسمي في مجلس الامن، فيما يشكل الجانب الآخر منها رد فعل اضافياً على حادث قمع تظاهرة مؤيدة للشعب السوري امام السفارة السورية في محلة الحمراء في بيروت الاسبوع الماضي. وثمة تحضيرات جارية لتظاهرة ستنفذ اليوم الاثنين في وسط بيروت بدعوة من مجموعة مثقفين ربما تستقطب جهات معارضة ستنخرط فيها. اما في الواقع السياسي، فجاءت زيارة وزير الخارجية اللبناني عدنان منصور امس الاحد لدمشق حيث التقى الرئيس السوري بشار الاسد ووزير الخارجية وليد المعلم بمثابة صورة ذات دلالة سياسية معبّرة عن التصاق الحكومة اللبنانية الحالية بالنظام السوري في وقت تبلغ فيه الضغوط الدولية على الاسد مرتبة الذروة. وليس خافياً ان توقيت هذه الزيارة بعد موقف لبنان في مجلس الامن انما اريد له ان يطلق ايحاءات واضحة حيال استمرار ارتباط الحكم والحكومة في لبنان بسياسات التنسيق مع النظام السوري، الامر الذي يثير في الداخل السياسي اللبناني مزيداً من المضاعفات.
وليس بعيدا من هذه الانعكاسات اثارت زيارة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط لتركيا حيث قابل رئيس وزرائها رجب طيب اردوغان ووزير خارجيتها احمد داود اوغلو اهتماماً سياسياً واسعاً وسط ما يثار مجدداً من شكوك ومعلومات عن اهتزاز علاقة جنبلاط بدمشق عقب توجيهه انتقادات الى سياسات القمع المتبعة في سورية لدى عودته من زيارة مماثلة لروسيا قبل اسابيع. واذا اضيفت الى هذه التطورات عودة الاتهامات الاعلامية في وسائل اعلام سورية واخرى تابعة لقوى 8 اذار في شأن تهريب اسلحة مزعوم من لبنان الى سورية، فان ملامح هذا المشهد تنبئ بتصعيد تدريجي يواكب التصعيد الحاصل في سورية ولو ضمن واقع لا يزال مضبوطاً بخطوط حمراء وموانع تحول حتى الان دون تطوره سلباً. غير ان ذلك لا يُسقط مخاوف لدى جهات عدة من ان تشقّ هذه الانعكاسات طريقها نحو مزيد من تسخين الوضع الداخلي بين الحكومة والمعارضة خصوصاً على مشارف استحقاق حار ينتظره الجميع ويتمثل في المرحلة الثانية من الكشف عن مضمون القرار الاتهامي للمحكمة الدولية في المرحلة التي تلي 11 اغسطس تاريخ انتهاء مهلة الثلاثين يوم عمل المعطاة للبنان لتنفيذ مذكرات التوقيف الاربع الصادرة عن المحكمة الدولية بحق اربعة من «حزب الله» في جريمة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري. وكانت بيروت تابعت باهتمام محادثات النائب جنبلاط في تركيا التي اكدت بلسان وزير خارجيتها «الاهمية التي توليها للسلام والاستقرار في لبنان».
ونقلت «وكالة أنباء الأناضول» عن مصادر ديبلوماسية ان «أوغلو وجنبلاط ناقشا الوضع السياسي في لبنان والتطورات في الشرق الأوسط خصوصاً ليبيا وسورية و«الربيع العربي» وعملية السلام. واكتسب لقاءا جنبلاط مع اردوغان واوغلو اهميتهما لانهما جاءا على وقع اعلان رئيس الوزراء التركي ان صبر انقرة «نفد» ازاء استمرار نظام الرئيس بشار الاسد في قمعه الدموي للمتظاهرين، وعشية ايفاد اردوغان وزير خارجيته الى دمشق غداً الثلاثاء لينقل اليها «بحزم رسائل بهذا المعنى». في هذه الأثناء، استعادت بيروت امس محطتين مترابطتين، واحدة وطنية تركت ارتدادات سياسية بالغة الاهمية مهّدت لـ «ثورة الاستقلال الثاني» في 14 مارس 2005، والثانية شكّلت واحدة من ابرز «النقاط السود» في سجلّ ما اصطُلح على تسميته بين 1998 و 2005 بـ «النظام الامني» اللبناني ـ السوري المشترك.
وهاتان المحطتان هما مصالحة الجبل المارونية ـ الدرزية التاريخية التي رعاها البطريرك الماروني السابق الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير في المختارة، معقل الزعامة الجنبلاطية، بحضور النائب جنبلاط في 4 اغسطس 2001، والتي شكّلت امتداداً لـ «جسر التواصل» الذي كان لقاء «قرنة شهوان» المسيحي المناهض للوجود السوري، والذي اعتُبر «المكتب السياسي» لصفير، مدّه مع الزعيم الدرزي في إطار رغبة البطريرك حينها في تأمين عمق وطني لنداء المطارنة الموارنة الشهير الذي صدر في سبتمبر 2000 وطالب بانسحاب الجيش السوري من لبنان. اما المحطة الثانية فكانت واحدة من التداعيات المباشرة لمصالحة الجبل وحصلت بعد ثلاثة ايام عليها اي في 7 اغسطس، اليوم الذي استخدم النظام الامني اللبناني ـ السوري المشترك وقتذاك «أنيابه» بحق المعارضين لسلطة الوصاية فاوقف المئات منهم (من «التيار الوطني الحر» و«القوات اللبنانية») ولفّق لهم تهماً واحكاماً في اعقاب مشهد مشين ارتسم امام مقر قصر العدل في بيروت الذي صار شاهداً على قمعٍ لن يُمحى من ذاكرة لبنان.
وفي الذكرى العاشرة لـ «صلح المختارة»، كان البطريرك الماروني الجديد في الجبل امس، حيث زار عدداً من المناطق والتقى الرئيس ميشال سليمان في مقره الصيفي في قصر بيت الدين ثم ترأس قداساً في دير القمر حيث اقيم له استقبال حاشد واعلن «أننا نصلي كي يتمكن رئيس الجمهورية العماد سليمان مع معاونيه من الوزراء والنواب من تحقيق أمنيتهم التي أعرب عنها يوم قال إنه يسعى الى تحقيق أمنية عزيزة على قلبه هي إعادة تفعيل الحوار الوطني مع قادة البلاد الهادف الى إعادة الثقة بينهم وبين مختلف مكونات المجتمع اللبناني والى التوافق على استراتيجية وطنية للدفاع عن الوطن»، لافتاً الى «اننا نتطلع الى ان يتحول الحوار الى مؤتمر وطني شامل ينطلق من اساس وثيقة العيش معا بحيث يتلاءم واقعنا مع تحديات عالمنا العربي وتحديات العولمة». واستوقفت دوائر مراقبة في بيروت ان زيارة الراعي للجبل لم تشمل المختارة. واذا كانت اوساط عزت هذا الامر الى ان النائب جنبلاط موجود في تركيا، فان دوائر اخرى لم تُخفِ ان برنامج زيارة البطريرك لم يتضمّن في الاساس محطة في المختارة ربما لكونها راعوية وغير سياسية.
وعلى صعيد ذكرى احداث 7 اغسطس 2001، اختارت قوى 14 آذار ان تحييها هذه السنة تحت عنوان الدفاع عن الحريات وذلك عبر ندوة اقيمت في مقرها بالاشرفية «رفضاً لتكرار 7 اغسطس 2001 في 2011 في شارع الحمرا وساحات بيروت وبالايدي نفسها والعقلية نفسها ولأن 14 آذار مؤتمنة على الحريات كما على قيم السيادة والاستقلال والعدالة». وقد استلهمت قوى الرابع عشر من آذار بذلك مشهد القمع الذي برز امام مقر السفارة السورية قبل ايام خلال تنفيذ عشرات الاشخاص اعتصام تضامن مع الشعب السوري والذي ادى الى سقوط عدد من الجرحى وانتهى من دون توقيف اي من المعتدين «المنظَّمين».
|