|
| بيروت - من وسام أبو حرفوش |
يواجه لبنان، الغارق في مستنقع الازمات السياسية اليومية، تحديات من النوع «المصيري»، قد لا ينجو من مفاعيلها الزلزالية القريبة الاجل والبعيدة على حد سواء، خصوصاً في ضوء المصادفة البالغة الاعباء في تزامن شبح تحديين من الطراز «الهائل» هما: الانعكاسات العميقة لـ«البركان» السوري على لبنان الذي يعيش صراعاً موازياً لما يجري في سورية في بعديه الداخلي والاقليمي، وتوسع نطاق عمل المحكمة الدولية على النحو الذي يرسخ الصورة المقلقة لـ «حزب الله»، اي صورة «القاتل» في نظر اللبنانيين الآخرين وفي عيون العالمين العربي والاسلامي.
في التحدي الاول تشكل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي «حجر الزاوية» في الصراع الدائر على وقع الاحداث السورية و«هجها»، وهو الصراع الذي سبق «تسونامي» الثورات العربية الذي شق طريقه الى سورية كـ «حاضنة اقليمية»، وكان يدور حول «الامر لمن» في لبنان، لـ «حزب الله» وحلفائه المحليين والاقليميين ام لـ«14 آذار» بزعامة سعد الحريري وحلفائه المحليين والاقليميين؟ ولم يكن مفاجئاً اتهام الحريري الرئيس السوري بشار الاسد والأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله باتخاذ قرار اسقاط حكومته، الامر الذي شكل اعترافاً ضمنياً بنجاح «حزب الله»، مدعوماً من سورية باقصائه عن السلطة والامساك بها عبر حكومة ميقاتي، التي يملك فيها الحزب «الامرة السياسية» وتتيح له تالياً التحكم بالمفاصل الرئيسية في الدولة في اللحظة التي يواجه فيها ربما اصعب ايامه.
غير ان الاهتزاز الدراماتيكي والعاصف الذي اصاب نظام الرئيس الاسد بعدما انفجرت في وجهه الغضبة الشعبية العارمة، أضعف حلفاءه في بيروت ايضاً، فالاكثرية الداعمة لميقاتي وحكومته وجدت نفسها امام تحديات مضاعفة، يعبر عنها وعلى نحو اكثر وضوحاً الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، وهي مضاعفات من النوع الاستراتيجي بالنسبة الى «حزب الله» المهدَّد بفقدان «حبل السرة» مع ايران. هذا الواقع المستجد اسفر عن قراءتين لحال حكومة ميقاتي و«مصيرها» هما:
قراءة ترى في الحكومة «اهون الشرور» في لحظة التفجير في سورية، فوجود حكومة موالية لنظام الاسد قد يحد من الانعكاسات على لبنان في مرحلة تبدو انتقالية وشديدة الحساسية. وثمة من يعتقد في هذا الاطار ان حكومة ميقاتي التي «تنأى بلبنان» عن مضاعفات الصراع في سورية من شأنها ضبط ايقاع المفاعيل الداخلية للاحداث السورية، كونها مضطرة لامساك العصا من الوسط بحكم التوازنات الداخلية والاقليمية والعربية. وفي تقدير دوائر مراقبة ان حكومة ميقاتي صارت «انتقالية» ويرتبط مصيرها بمسار الازمة في سورية، خصوصاً ان بعض مكوناتها كالزعيم الدرزي وليد جنبلاط يتجه الى «اعادة حساباته»، ليس من باب اعادة التموضع على قاعدة الصراع الشرس في البلاد، بل انسجاماً مع التحولات العميقة في المنطقة، وهو الدائم الحركة الذي زار تباعاً باريس وقطر وموسكو وانقرة ودمشق، ولم يُدر ظهره لـ «حزب الله» في الوقت الذي رمم علاقته بالحريري. هذا الكلام يعني ان الاكثرية الجديدة التي ولدت من رحم انقلاب سياسي دستوري قد تكون عرضه للانهيار «المريح» على وقع الانهيار «المريع» لنظام الاسد.
القراءة الثانية هي التي تنظر الى حكومة ميقاتي كحلقة من محور اقليمي تديره ايران ويمتد من حكومة نوري المالكي في العراق ونظام الاسد في سورية وحكومة ميقاتي في لبنان، وتالياً فان الحسابات المتصلة بحكومة ميقاتي تستند الى هذا المعطى الاستراتيجي لا السياسي. وثمة معلومات في بيروت تحدثت عن ان طهران ابلغت لاعبين اقليميين بانها عازمة على الرمي بثقلها لحماية محورها في المنطقة «مهما كان الثمن»، الامر الذي يعني ان حكومة ميقاتي «ممنوعة من السقوط» الى حين حلول موعد الانتخابات البرلمانية في الـ 2013. وتعتقد اوساط في الاكثرية (8 آذار) ان الحكومة باقية، ليس مبدئياً بل بالفعل، وهي تملك القدرة على الاستمرار الى حين الانتخابات عبر «مقويات» داخلية تتمثل بقرار استراتيجي من «حزب الله»، واقليمية من خلال قرار ايراني مماثل.
اما لماذا الاصرار على توفير «اكسير الحياة» لبقاء حكومة ميقاتي حتى الـ 2013؟، فالجواب يكمن في تصميم «حزب الله» وحلفائه على ما يوصف في بيروت بـ «اجتثاث الحريرية» على النحو الذي يضمن لهم إحكام القبض على السلطة والتحكم بالموقع الاقليمي للبنان. ومن يدقق في خريطة «التوزير» في حكومة ميقاتي، وفي التسهيلات الخيالية التي يتم توفيرها لرئيسها يكتشف جدية التوجه الى انتخابات سيتم ضبط ايقاعها على النحو الذي يضمن تفكيك «14 آذار» وتهشيم قاعدة الحريري السياسية والحزبية وتهميش مكانة خصوم الحزب.
وثمة من يغمز في هذا السياق من بعض المواقع الروحية «السنية» التي جرت استمالتها عبر مغريات لقريبين منها، في اطار توجيه لـ «تعرية» الحريرية من مكامن قوتها حتى في وعائها المذهبي. اما التحدي الآخر والاكثر «مأسوية» في حياة لبنان السياسية والطائفية والوطنية، فيتمثل بما ستكشف عنه القرارات الاتهامية للمحاكمة الدولية في جرائم اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، ومحاولتي اغتيال الوزير السابق الياس المر والنائب مروان حمادة، واغتيال الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي. وبات من الواضح ان الاتهام موجه الى مسؤولين في «حزب الله» بارتكاب الجرائم الاربعة، وهو ما سيصار الى «نشره» في الاسبوع المقبل، الامر الذي من شأنه ان يرسخ الاقتناع لدى اوساط واسعة من اللبنانيين بأن «حزب الله» هو «القاتل»، وهي الصورة التي جهد الحزب عبر حرب استباقية شنها على المحكمة الدولية للنأي بنفسه عن هذا الاتهام.
وفي الوقت الذي يضرب الحزب ستاراً من الصمت حيال هذا الواقع الخطر، وهو الذي يكتفي باطلالات امينه العام بين الحين والآخر، تنطلق تكهنات كثيرة حيال ما هو عليه حاله، ابرزها:
> الاعتقاد بان الحزب الذي نجح في الامساك بالسلطة والاحتماء بها غير آبه لما يجري، وهو يعتقد انه جعل القرار الاتهامي مجرد «رصاصة مطاطية» وعطل مفاعيل المحكمة في الداخل عبر جعلها تقف على الحدود.
> الاعتقاد بان صمت الحزب يعود الى ازمات هائلة يعانيها، من اتهامه بارتكاب الجرائم، الى الخروق التي مني بها، مروراً باهتزاز النظام السوري، شريكه الاقليمي وممره الى ايران. في هذه الأثناء، بقي الاهتمام منصباً على ملف المحكمة الدولية في ضوء ابلاغ وفد منها كلاً من الوزير السابق الياس المر والنائب مروان حمادة وعائلة جورج حاوي ترابط الجرائم المتصلة بهم مع عملية اغتيال الرئيس الحريري، وهو ما نُقل ايضاً الى عائلات الضحايا في هذه التفجيرات من مواطنين عاديين او مرافقين للشخصيات السياسية وبينهم غازي ابو كروم (قضى في محاولة اغتيال حمادة).
ووسط توقعات بأ لا يقتصر الترابُط بين جريمة 14 فبراير 2005 والعمليات المتصلة بمحاولتيْ اغتيال المر وحمادة واغتيال حاوي، اذ اعلن الرئيس أمين الجميل ان «الاشارات الآتية تبين الترابط والتداخل» بين اغتيال نجله الوزير السابق بيار وقضية الحريري، تترقب الاوساط السياسية صدور القرارات الاتهامية في هذه الملفات الثلاثة الجديدة مع مذكرات التوقيف المتصلة بها بحلول منتصف الاسبوع الطالع على ان يتم نشر اجزاء جديدة من القرار الاتهامي في جريمة الرئيس الحريري خلال اسبوعين كحدّ اقصى.</< div>
|