|
القاهرة - أمينة خيري ترجم المصريون بدء اعتيادهم فكرة المحاكمات العلنية لرموز نظامهم السابق، من خلال شوارع القاهرة التي حافظت أول من أمس على أزماتها المرورية المعتادة وقت الذروة الصباحية، وإن لم يؤثر ذلك على التصاق المواطنين بكل ما من شأنه أن يبث وقائع جلسة محاكمة الرئيس المصري السابق حسني مبارك وولديه علاء وجمال. وعلى العكس من علامات الاندهاش وعبارات عدم التصديق التي اعترت الجميع في الجلسة الأولى يوم 3 آب (أغسطس) الماضي، وهي المشاعر التي عقدت ألسنة الغالبية المطلقة ومنعتها من الإفتاء في مجريات الجلسة، والدلو بدلوهم في كلمات القاضي، وتصرفات محامي المتهمين، وسلوك محامي المدعين بالحق المدني وأسر الشهداء والمصابين، بدا تماماً أن جموع الشعب قد استعادت عافيتها وانهالت الفتاوى القضائية والقانونية من كل صوب.
«يجب أن تتاح كل هذه الأحراز للشعب ليراها». «شيء مشرف. محامو الشهداء والمصابين أكثر من مئة، ومحامو المتهمين حفنة قليلة»، «القاضي يبدو أكثر عبوساً من المرة السابقة»، «الجالسون في يسار القاعة أكيد فلول»، «لا يجوز قانوناً أن يخبئ علاء أباه عن الكاميرا»، «المرافعات يجب أن تكون أطول من ذلك»، «هذا تهريج! أين تهمة الإفساد السياسي مما يحدث في المحكمة؟»، «المدعون بالحق المدني عليهم أن يختاروا خمسة يمثلونهم».
مرة أخرى تتطور لغة المصريين، وتضاف إلى قاموسهم اليومي مفردات قضائية وقانونية لم تكن في الحسبان. هذا الإثراء المستمر نتج بالطبع من إغراق وإفراط في متابعة الكم المذهل من البرامج الحوارية الرمضانية التي تخصصت هذا العام في شؤون الثورة المصرية وإرهاصاتها ومتابعة وتحليل مجرياتها القضائية الحالية.
إلا أن هذا الإغراق الإعلامي، ومن ثم الشعبي في قضية بالغة الحساسية كتلك، أدى إلى قدر مبالغ فيه من الأحكام المسبقة التي تنهال على رؤوس كل من في قاعة المحكمة، بدءاً بالمتهمين، ومروراً بأهالي الشهداء والمصابين، وانتهاء بالقاضي نفسه. وإذا أضفنا إلى ذلك البث العلني للمحاكمات، فإن الأمر قد تحول إلى محاكمات شعبية خالية من أدنى سند قانوني على الجميع. المفارقة الغريبة أن المصريين استقبلوا خبر وقف بث المحاكمات على التلفزيون بدءاً من المحاكمة المقبلة بالحماسة والسعادة نفسيهما اللتين استقبلا بها خبر البث التلفزيوني، وذلك بعد ما كان لسان حال العقلاء «الشعب يريد وقف بث المحاكمات تلفزيونياً».
وقف البث لن يمنع المصريين وشتى شعوب الأرض من متابعة ملامح وحركات ومعارك قاعة المحكمة، إذ أنها ستظل جلسات علنية، لكنه سيحرمهم من متابعة غوغائية بعض محامي الدفاع بالحق المدني الذين تصارعوا وتناحروا بشكل مزر أمام منصة القضاة في محاولات عتيدة لحصول كل منهم على الحق في الكلمة والإمساك بالميكروفون، ظناً أن هذا الظهور التلفزيوني سينقلهم من غياهب المغمورين إلى أضواء مشاهير المحامين!
حرمان عشرات المحامين الذين فشلوا في تنسيق مهمتهم الدفاعية من استنشاق عبق الظهور التلفزيوني قوبل بترحاب شديد من قبل كثيرين، حتى أنه علت أصوات المطالبين كذلك بمنع «ألتراس مبارك» من التوجه إلى مكان الجلسات المقبلة. فأمام أكاديمية الشرطة كانت حرباً ضارية تدور رحاها بين «ألتراس الرئيس السابق ونجليه» و»ألتراس الثورة»، وكان السلاح الأقوى والأشرس هو الأحزمة الرجالية التي تم خلعها بالإضافة إلى التسلح بالحجارة لرشق وضرب أعضاء الفريق المضاد.
التراشق بالأحزمة والحجارة لن يضمن نتيجة عادلة لأي من الفريقين، وحتى في حال التعادل، فإن ذلك سيعني استمراراً لتوتر الأوضاع في مصر. وتوقف البث التلفزيوني للمحاكمات يعني أن المصريين سيواجهون بقدر أكبر من الإغراق التحليلي والإفتاءات القضائية والقانونية والتراشق بوجهات النظر الشخصية التي تدور حول المحاكمة، وهو ما يعزز احتمالات رفع شعار «الشعب يريد وقف التحليلات التلفزيونية».
|