WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Dec 2, 2010
 
هل حقّق الحزب الوطني أهدافه في الانتخابات المصرية؟

الخميس, 02 ديسيمبر 2010
عمرو حمزاوي *


محبط ومحيِّر في آن هو ذلك المشهد السياسي الذي أفرزته وقائع ونتائج الجولة الأولى للانتخابات البرلمانية المصرية. فمن جهة، وثَّق المراقبون المحليون وبعض مراسلي وسائل الإعلام المحلية والعالمية الكثيرَ من التجاوزات والخروقات التي شابت الانتخابات، وأبرزُها التدخل المنظَّم للأجهزة الأمنية لصالح مرشحي الحزب الوطني الحاكم، وإعاقة بعض القضاة المخوَّلين الإشراف على الانتخابات عن القيام بعملهم، ومنع العديد من المراقبين المحليين من الدخول إلى مراكز الاقتراع أو البقاء فيها مدة تكفي لتقييم سير العملية الانتخابية، والتوظيف الواسع النطاق للمال لشراء أصوات الناخبين، ووقوع أعمال عنف أمام مراكز الاقتراع أسفرت عن بعض الخسائر في الأرواح والممتلكات العامة. حدّت هذه القائمة الطويلة والمحبطة من التجاوزات كثيراً من نزاهة الجولة الأولى للانتخاباتوشفافيتها، ونزعت - بغض النظر عن وقائع جولة الإعادة المقرر إجراؤها في 5 من الشهر الجاري - الصدقيةَ عن وعد مؤسسة الحكم بإجراء انتخابات حرة وتعددية تشكِّل نقلة نوعية في مسار التحول الديموقراطي في مصر.


من جهة ثانية، وتأسيساً على نتائج الجولة الأولى، سيكون المواطنون المصريون خلال الأعوام الخمسة القادمة في معية مجلس شعب يسيطر الحزب الوطني الحاكم على أكثر من 90 بالمئة من مقاعده، ويتدنى فيه تمثيل المعارضة والمستقلين من 24 بالمئة في المجلس السابق (2005-2010) إلى أقل من 10 بالمئة. وإذا كانت المعارضة، وعلى الرغم من كثافتها العددية النسبية في مجلس الشعب المنتهية ولايته، لم تتمكن من منازعة هيمنة الحزب الوطني على أجندة التعديلات الدستورية والعمل التشريعي، وغابت الفاعلية عن عملها الرقابي ومساعيها المتكررة لمساءلة ومحاسبة السلطة التنفيذية، يصبح من الواقعي افتراض تحول هيمنة الحزب الحاكم على العملية التشريعية إلى استئثار مطلق، في ظل تمثيل المعارضة المحدود في المجلس الجديد، وكذلك خطر التهافت الشديد لدوره الرقابي، بعد أن أسفرت انتخابات 2010 البرلمانية عن توحّد شبه كامل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. فمجلس شعب كهذا، للحزب الحاكم 90 بالمئة من مقاعده، ويتقزم فيه تمثيل المعارضة، الحزبية وغير الحزبية، إلى بضعة نواب غير مؤثّرين، وقد يغيب عنه بالكامل حضور جماعة «الإخوان المسلمين»، التي شكَّل نوابها خلال الأعوام الخمسة الماضية فصيل المعارضة الأكثر توظيفاً لأدوات العمل الرقابي، سيكون هناك شك حتماً في مدى تمثيله للتفضيلات الفعلية للناخبين واختياراتهم السياسية، ولن يتمتع بالكثير من شرعية الرضى الشعبي التي لا تأتي بها إلا انتخابات نزيهة وشفافة، أو قد يرتبها توزيع أكثر توازناً للمقاعد بين الحكم والمعارضة. مجلس كهذا ليس له إلا أن يعمّق التداعيات السلبية لأحد أخطر الاختلالات البنيوية للسياسة في مصر، والمتمثل في ضعف السلطة التشريعية والتراجع المستمر لدورها الرقابي واختزالها لتتحول آليةً لتمرير التعديلات الدستورية ومشاريع القوانين ومقترحات الموازنة العامة التي تتقدم بها السلطة التنفيذية من دون تغيير أو اعتراض.


من جهة ثالثة، وفي لحظة مجتمعية تتسم بتصاعد التوتر الطائفي بين المسلمين والمسيحيين من مواطني مصر، وفي ظل مشهد إقليمي عام يواجه مسيحيي الشرق بالكثير من التحديات لأمنهم وحرياتهم الدينية والمدنية وحقوقهم السياسية، سيكرس مجلس الشعب المصري الجديد محدودية تمثيل الأقباط في السلطة التشريعية. فالحزب الوطني الحاكم وبين ما يقرب من 800 مرشح للانتخابات لم يسجل سوى 10 مرشحين أقباط، بينما رشح حزب الوفد الليبرالي 5 أقباط، وحزب التجمع اليساري 3، وانضم إليهم عدد ضئيل من المرشحين الأقباط المستقلين. وبافتراض فوز جميع المرشحين الأقباط، وذلك افتراض شديد التفاؤل يصعب تصور تحققه، سنكون أمام تمثيل للأقباط في مجلس الشعب يقل عن 4 بالمئة، ولا يعبِّر لا عن النسبة الفعلية للمواطنين الأقباط (حوالى 10 بالمئة وفقاً لمعظم التقديرات غير الرسمية المتداولة)، ولا عن دورهم المؤثر في النسيج المجتمعي في مصر.


في واحدة من الإيجابيات القليلة لانتخابات 2010، وبعيداً عن حسابات الحكم والمعارضة، سيشهد المجلس الجديد حضوراً غير مسبوق للمرأة، بعد أن تم بمبادرة حكومية اعتماد قانون الكوتا النسائية وخصص لها 64 مقعداً بالانتخاب، وانتهت بذلك حقبة اقتصار تمثيل المرأة على من يعيّنهن رئيس الجمهورية. في المقابل، تعمد مؤسسة الحكم، ولا تختلف عنها في هذا السياق جل فصائل المعارضة الحزبية وغير الحزبية، إما إلى الصمت المطبق عن محدودية تمثيل الأقباط في المجلس، أو تبررها بالظرف المجتمعي العام وتضع العديد من الخطوط الحمراء على النقاش حول سبل التعاطي الفعال معها، من شاكلة رفض مجرد طرح قانون «الكوتا القبطية» أو غيره من إجراءات التمييز الإيجابي كإستراتيجيات مستقبلية ممكنة، والتذرع في معرض الرفض، بالنسيج الوطني الموحد والتساوي في حقوق المواطَنة بين المسلمين والأقباط، على ما بات يردّ على كليهما من نواقص خطيرة.


من جهة رابعة، وهنا تبدأ مصادر الحيرة، وحين النظر الى المشهد السياسي الذي أفرزته الجولة الأولى للانتخابات، يصعب افتراض أن الحزب الوطني الحاكم، ومن ورائه أجهزة السلطة التنفيذية المختلفة، قد أدار العملية الانتخابية بهاجس وحيد هو الاستئثار المطلق بمقاعد مجلس الشعب. نعم، لم يكن موضعَ شك عَزْمُ الحزب الاحتفاظ بأغلبية «ما فوق الثلثين المريحة» بالمجلس ومن ثم الاستمرار في تثبيت وضعيته كحزب مهيمن على السياسة في مصر، وكذلك دللت الإجراءات المتتالية بحق «الإخوان المسلمين» على توجُّه مؤسسة الحكم نحو تقليص تمثيلهم في المجلس الجديد والحيلولة دون حصولهم على عدد من المقاعد يقترب من مقاعدهم في المجلس السابق (88). بيد أن الحزب الحاكم أراد أيضاً تحقيق مجموعة مكمِّلة من الأهداف السياسية في انتخابات 2010، تمثل أبرزها في:

 

1- تقوية حضور المعارضة الحزبية في المجلس في سياق إستراتيجية استبدالية تهدف الى وضع نواب من أحزاب الوفد والتجمع والعربي الناصري وغيرها على مقاعد نواب «الإخوان»، وتضمن استمرار ذلك القدر من التعددية والتنوع في المجلس غير المهدِّد لهيمنة «الوطني».

 

2- إدارة العملية الانتخابية على نحو من النزاهة والشفافية والتنافسية، ما يكفي لتمكين الحزب الوطني من صناعة صورة جديدة له لدى الرأي العام المصري كحزب عصري يستطيع الفوز في انتخابات نزيهة من دون إلغاء حضور احزاب المعارضة، شريطة قانونيتها (في مقابل جماعة «الإخوان» المحظورة) ومدنيتها (حظر توظيف الدين في الحملات الانتخابية).

 

3- في ظل الاهتمام الغربي (خاصة الأميركي) بالانتخابات البرلمانية، والرفض الحكومي القاطع للرقابة الدولية، والتشديد على أهلية وجدية الرقابة الوطنية، هَدَفَ الحزب الوطني إلى إخراج الانتخابات بصورة تعطي لتفاصيل إداراتها من قبل أجهزة السلطة التنفيذية ولجهود الرقابة الداخلية مصداقيةً تمكِّن من صناعة صورة إيجابية عن الانتخابات لدى الرأي العام العالمي وأمام الحكومات الغربية. حين يؤخذ بجدية تحليلية، تباعد هذه الأهداف بين الحزب الوطني وبين السعي إلى مجلس شعب له فيه 90 بالمئة بدلاً من 80 بالمئة، ويقتصر وجود المعارضة الحزبية فيه على بضعة مقاعد لا تزيد عن أصابع اليدين، كما يشوب العملية الانتخابية العديد من التجاوزات المرتبطة بضعف اللجنة العليا للانتخابات وسطوة الأجهزة الامنية، وإعاقة عمل المراقبين المحليين ووسائل الإعلام إلى الحد الذي يدفع الخارج إلى التنديد الواضح بها والتخوف من الكيفية التي ستدار بها الانتخابات الرئاسية في 2011.


هل التجاوزات والخروقات الانتخابية في الحالة المصرية التي لم تمكن الحزب الوطني الحاكم من وضع أهدافه موضع التنفيذ هي تجاوزات اعتيادية، أم يعود ذلك الى ضعف احزاب المعارضة المسجلة وعدم قدرتها على الفوز بالمقاعد التي رغب «الوطني» في رؤيتها تفوز بها؟ أم هي المشاركة الشعبية المحدودة التي لم تتجاوز 20 بالمئة وفقاً لتقديرات المراقبين المحليين ومنظمات المجتمع المدني؟ أم هو التناقض بين الرغبة في الهيمنة على السياسة وبين السماح بدرجة من التعددية المحدودة؟


أيّاً كانت الأسباب، تبقى الحيرة قائمة حين النظر إلى سمات المشهد الذي أفرزته الانتخابات الاخيرة ومدى تعبيرها عن أهداف الحزب الحاكم، تماماً كما يبقى الإحباط من كون هذه الانتخابات في إدارتها ونتائجها باتت محدودة الصلة بمضامين النزاهة والتنافسية التي تضمن قيام سلطة تشريعية تراقب نظيرتها التنفيذية بفاعلية ولا تستأثر مؤسسة الحكم بأجندة عملها التشريعي وتحظى من ثم بشرعية شعبية حقيقية.

* أكاديمي مصري.


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved