WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Dec 5, 2010
 
ملاحظات من وحي الانتخابات المصرية

الأحد, 05 ديسيمبر 2010
خالد الدخيل *


من بين أخطر ما يمكن أن تقترفه الطبقة الحاكمة في حق نفسها، وحق الدولة التي تتربع على سدتها، أن تسن قانوناً لتداول السلطة، ثم تتجاهله، أو تحيله إلى مجرد صورة قانونية مفرغة من مضامينها وضوابطها القانونية، أو تكون أول من ينتهكه لتفقده هيبته، وإلزاميته للجميع. قانون الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية مثال على ذلك. في العالم العربي أصبح من المعروف والشائع الآن أن الانتخابات الرئاسية هي في ظاهرها لتأمين التداول السلمي والديموقراطي للسلطة. في حين أنها في حقيقتها وفي نتائجها النهائية ليست أكثر من آليات سياسية لتأمين أن يخلف الرئيس نفسه مرة بعد أخرى. وهو ما يحدث في كل الجمهوريات العربية تقريباً. الانتخابات البرلمانية هي الأخرى آلية سياسية يفترض أن تخضع لقانون ينظم التداول السلمي لسلطة المؤسسة التشريعية للدولة. لكنها ليست كذلك في العالم العربي أيضاً. وهو ما يقودنا مباشرة إلى الانتخابات «البرلمانية» في مصر التي انتهت دورتها الأولى الأحد الماضي، وتبدأ دورتها الثانية اليوم.


مهما تكن الزاوية التي يمكن النظر من خلالها إلى هذه الانتخابات، ونتيجة دورتها الأولى، فإنه لا يمكن تفادي ما أصبح واضحاً لكل مراقب، وهو أنها لم تكن في مجرياتها ولا في نتائجها انتخابات حقيقية احتكمت إلى قانون، والتزمت بالحد الأدنى من الشفافية والعدالة مع كل المرشحين، وقبل ذلك مع الناخب، أو المواطن المصري، وحقه في أن ينتخب من يرى أنه يمثله بعيداً عن إكراهات السلطة وإغراءات المال. امتلأت أخبار هذه الانتخابات بالكثير من أنواع التزوير، والعنف، والتلاعب بأصوات الناخبين. وبغض النظر عن دقة وحجم هذه التجاوزات، فإن هناك ثلاثة مؤشرات تؤكد أن الانتخابات لم تكن كما ينبغي لها أن تكون. فنسبة المشاركة في هذه الانتخابات كانت متدنية جداً. يقول البعض أنها لم تتجاوز 35 في المئة، وهي نسبة قياسية في تدنيها. المؤشر الآخر أن الحزب الحاكم فاز في الدورة الأولى بنسبة مرتفعة من مقاعد المجلس، تجاوزت 91 في المئة. وهذه نسبة تثير بذاتها الدهشة، وتطرح أكثر من سؤال حول الانتخابات، والطريقة التي أجريت بها. وهي نسبة تذكّر بنتائج الانتخابات الرئاسية العربية. وتزداد الدهشة أمام المؤشر الثالث، وهو أن الـ9 في المئة الباقية من مقاعد الدورة الأولى توزعت بين المعارضين والمستقلين، وأن الفئة الأخيرة تنتمي في الواقع الى الحزب الوطني الحاكم. لم يكن مفاجئاً أمام هذه النتيجة أن قرر كل من حزب الوفد وحزب التجمع والحزب الناصري، مقاطعة الدورة الثانية من الانتخابات، ما يعني أن الحزب الوطني الحاكم سوف يسيطر على البرلمان تماماً، ومن دون معارضة.


وعندما لا تكون هناك معارضة في المؤسسة التشريعية فهي تعني واحداً من اثنين لا ثالث لهما: إما أنه لم تكن هناك انتخابات، أو أن هذه الانتخابات صممت بطريقة لا تسمح إلا لمرشحي الحزب الحاكم باكتساحها من الدورة الأولى، وترك بعض المقاعد لمن ترشح من خارج هذا الحزب. كان من الواضح حتى قبل أن تبدأ الانتخابات بأن إبعاد جماعة «الإخوان» عن البرلمان، وعدم تكرار ما حققوه من نجاح في انتخابات 2006، هو الهدف. وهو ما تحقق بالفعل. ليس مهماً في هذا الإطار أن نتفق مع «الإخوان»، أو مع الخطاب الديني الذي يأخذون به. الأهم هو أن تحتفظ القوانين، وأن يحتفظ منطق الدولة بما يستحقه من احترام، وأن تكفل هذه القوانين حق المشاركة السياسية للجميع، ضمن حدود وضوابط القانون. وحقيقة أن الملاحقات الأمنية لـ «الإخوان» طوال السنوات الماضية لم تؤد إلى إضعافهم، ولم تساعد النظام السياسي على الاطمئنان إلى تأمين إنتخابات تتوفر على الحد الأدنى من النزاهة والشفافية، وهو مؤشر ليس في صالح الحزب الحاكم، ولا في صالح الدولة المصرية. وأمام ذلك يبرز السؤال: لماذا إذن كان هناك قانون انتخابات برلمانية، إذا كانت النية معقودة على أن نتيجة هذه الانتخابات ستكون دائماً معروفة سلفاً؟ ولماذا سنّ مثل هذا القانون ليتم في الأخير إضعافه وتهميشه مع الوقت؟ أليس من الواضح بداهة أن إضعاف قوانين الدولة ومؤسساتها هو إضعاف للدولة نفسها؟!


قبل الانتخابات كان قادة الحزب الوطني يردون على مخاوف البعض من تكرار العنف والتزوير، ومحاولات الحزب إقصاء المعارضين، وتقليص مشاركتهم إلى أصغر حد ممكن، بالقول بأن تغيراً استراتيجياً قد حصل في نظرة الحزب لنفسه، وللنظام السياسي في مصر بعد عام 2005. قبل هذا العام، يقول هؤلاء، صحيح أن سياسة الحزب لم تكن تتسع لفكرة التعددية الحزبية، وأنه كان بالفعل يعمل على الاستئثار بالسلطة. أما بعد عام 2005 فقد تخلى الحزب عن هذه الفكرة تماماً، وأصبحت قياداته على قناعة تامة بأن التعددية الحزبية هي لمصلحة الحزب، ومصلحة النظام السياسي في شكل عام. ثم جاءت نتائج الانتخابات الأخيرة لتضفي ظلالاً من الشك الكثيف حول هذه الطروحات. هل كان هؤلاء يحاولون تهيئة الرأي العام للنتائج المتوقعة؟ أم كانوا يحاولون تهدئة روع المعارضة قبل الانتخابات؟ توحي نتائج الانتخابات وكأن الحزب الحاكم قد عاد بالنظام السياسي إلى سبعينات القرن الماضي، أو مرحلة المنابر التي أطلقها الرئيس الراحل أنور السادات، والتي مهدت لمرحلة الأحزاب.


إذا كان القانون هو روح الدولة الذي يحركها، ويؤطر ممارساتها، فإنه لم يعد خافياً بأن من المخاطر البينة للممارسات التي تنتهك هذا القانون، وتقفز على حدوده وضوابطه، أن شرعية الدولة تتآكل مع الوقت في الداخل، وفي الخارج تضعف هذه الدولة، ويتراجع دورها حتى في الإقليم الذي تنتمي إليه. هذا من حيث المبدأ العام. أما من حيث الواقع العربي القائم حالياً، فإن الملاحظة التي تبرز في الحالة المصرية تحديداً، هي أن تراجع الدور المصري في المنطقة يكاد أن يتزامن تماماً مع تبني الآلية الانتخابية للرئاسة والبرلمان، مع عدم الالتزام بالمقتضيات القانونية لهذه الآلية. من ناحية أخرى، تبنت جمهوريات عربية أخرى، مثل ليبيا وسورية، لآلية انتخابية مشابهة، ومع انتهاكات وتجاوزات أكبر بكثير مما يحصل في مصر. هل كانت النتيجة بالنسبة الى معيار ضعف الدولة أو قوتها في الحالتين الليبية والسورية، كما كانت في الحالة المصرية؟ على السطح قد يبدو الأمر كذلك، لكن في العمق قد لا يكون الأمر كما يبدو عليه. في مصر هناك هامش واسع من حرية التعبير والحركة أمام المعارضة. لا وجود لهذا الهامش في سورية وليبيا، لأنه ببساطة ليست هناك معارضة في هاتين الدولتين، ولا يسمح بمثل هذه المعارضة أصلاً. والحقيقة أن في ليبيا وفي سورية هناك استفتاء تسيطر الأجهزة الأمنية للدولة على كل محطاته، والنتيجة النهائية التي تعلنها وزارة الداخلية هي الكلمة الفصل والنهائية حول الموضوع، حتى موعد الاستفتاء المقبل. من هنا ليست هناك في هاتين الدولتين مادة إخبارية احتجاجية يمكن تداولها. في الحالة المصرية، الأمر على العكس من ذلك.


تعكس هاتان الحالتان جزءاً مهماً عن الوضع السياسي العربي. فإذا كان الأمن في ليبيا وسورية، مثلاً، هو الإطار الذي تتحرك ضمن حدوده الصارمة عملية سياسية محدودة جداً، نجد أن المجال السياسي في مصر أوسع، لكن من دون الجرأة إلى حد الاستغناء عن اليد الأمنية لضمان عدم اندفاع المعارضة لتجاوز حدود هذا المجال السياسي. بعبارة أخرى، هناك حالة أمنية متجهمة تجعل أي هامش سياسي معقولاً، في مقابل حالة سياسية مترددة تجعل الوطأة الأمنية مقبولة. لكن إلى أي حد؟ هذا على الأرجح السبب الأكثر أهمية من غيره في أن الدولة العربية، إذا جازت تسميتها كذلك، أصبحت رهينة دورها الذي فرضته داخلياً على نفسها، ولا تستطيع تجاوزه أو تطويره. القيود التي تضعها الدولة على نفسها في الداخل نتيجة لجمودها السياسي والقانوني، تسببت في أن بقي دورها في السياسة الخارجية يفتقر للحيوية والحركة والتطور. وذلك انطلاقاً من القاعدة التي تقول بأن السياسة الخارجية للدولة هي بشكل أو بآخر امتداد لسياستها الداخلية. قارن في هذه الحالة المكتسبات السياسية الإسرائيلية، وهي دولة طارئة، استيطانية وغير طبيعية، على مدى نصف القرن الماضي، مع التراجعات السياسية الكبيرة للدول العربية، وهي دول طبيعية ولها امتداد تاريخي عميق. إلى أي حد يعكس تعامل الدولة مع قوانينها وأنظمتها حالتها السياسية، وثقلها السياسي على المستويين الإقليمي والدولي؟

* كاتب وأكاديمي سعودي


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved