WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Dec 8, 2010
 
النتائج الفعلية للانتخابات البرلمانية المصرية... خسارة للجميع

الاربعاء, 08 ديسيمبر 2010

عمار علي حسن *


تقود القراءة الرقمية المجردة والمتعجلة لنتائج الانتخابات الاشتراعية المصرية إلى فهم خاطئ في تحديد الرابح والخاسر، وتعيين ملامح الممارسة السياسية خلال السنوات المقبلة. فمثل هذه القراءة ستقول، للوهلة الأولى ومن دون مواربة، إن «الحزب الوطني الديموقراطي» الحاكم اكتسح الانتخابات بينما ترنّحت أحزاب المعارضة مكانها وخرجت جماعة «الإخوان المسلمين» صفر اليدين. لكن تجاوز الحسابات الكمية وإمعان النظر في ملابسات الانتخابات ونتائجها غير المباشرة والسيناريوات المحتملة لأوضاع النظام السياسي المصري في السنوات القليلة المقبلة، تبين بجلاء أن الجميع خسروا. فالحزب الحاكم اقتنص الغالبية الكاسحة، لكنه بات يعاني بعد الانتخابات البرلمانية من ثلاث أزمات متزامنة، يمكن ذكرها على النحو الآتي:

 

1 - أزمة صدقية، وذلك قياساً على الوعود التي قطعها الحزب أمام المصريين بأن العملية الانتخابية ستتوافر لها الشروط المناسبة من الشفافية والنزاهة وتكافؤ الفرص بين المتنافسين. لكن هذا لم يتحقق أبداً، بشهادات وملاحظات وقرائن وأدلة وأحكام قضائية عدة تشكك في سلامة الانتخابات، وتطعن في قانونيتها، وتتهم السلطة بتزويرها في شكل فج، من دون مراعاة الحدود الدنيا من اللياقة السياسية، والالتزامات القانونية، وكذلك التفاهمات التي أجريت مع أحزاب المعارضة أو الإيحاء لها بأن الانتخابات ستكون بداية لتقوية الأحزاب في مواجهة الحركات السياسية المطالبة بالإصلاح السياسي الجذري من خارج الحياة الحزبية، وعلى رأسها حركتا «كفاية» و «الجمعية الوطنية للتغيير». فطالما تحدث مسؤولون كبار في الحزب الوطني عن أن الوقت حان لتقوية الأحزاب وتعزيز وجودها، لحماية النظام السياسي برمته من أي عوامل تؤدي إلى تآكله، وبلعت أحزاب المعارضة هذا الطعم أو صدقت الحزب فدخلت الانتخابات وها هي تدفع الثمن. وعبر الأمين العام للحزب العربي الناصري الذي خسر كل مرشحيه في الجولة الأولى عن هذا الوضع بجلاء حين قال: «لقد غرر بها، وتم استدراجنا».

 

2 - أزمة بنائية، فالنظام السياسي المصري المعاصر يعتمد على المعادلات التي بنيت على أكتاف مسار «المنابر الحزبية» الثلاثة التي أنشأها الرئيس أنور السادات عام 1976 لليمين واليسار والوسط، والتي انتهت في عهد الرئيس مبارك إلى ما اصطلح علماء السياسة في مصر على تسميته بـ «التعددية الحــزبية المــقيدة» التي اعتمدت على حزب حاكم قوي تحيط به مجموعة من الأحــزاب التي تضفي عليه مسحة ديموقراطية من دون أن تحظى بأي فرصة لتشكل بديلاً للحزب الحاكم، وتتمكن من إزاحته والوصول إلى السلطة عبر صناديق الانتخابات.

ومع حصار الأحزاب بفعل القوانين الاستثنائية التي حرمتها من التواصل الطبيعي مع الجماهير ومع تحكم الحزب الحاكم في تشكيل الخريطة السياسية عبر إنشاء «لجنة شؤون الأحزاب» التابعة لمجلس الشورى الذي يرأسه الأمين العام للحزب الوطني الديموقراطي، رضيت المعارضة بدور «الديكور» واقتنعت بالفتات المتاح المتروك لها، وربطت مع تقدم السنين بين بعض قياداتها وبين السلطة همزات وصل غليظة مشبعة بالمنافع والمصالح.

 

وجاءت نتائج الانتخابات البرلمانية لتكسر هذه المعادلة، وتجهز على التعددية المقيدة، وتجهض الأحلام التي كان أصحابها يعتقدون أن الحياة السياسية يمكن أن تشهد ما يسد العجز ويصلح الفاسد لتولد تجربة حزبية حقيقية في مناخ مناسب يتيح للجميع التنافس على السلطة. وفي خرق المعادلة ما يضر بالحزب الحاكم نفسه، لأنه حطم بيده الديكور الذي يزين جدرانه السياسية فيصبح بوسعه أن يسوقها في الخارج، وأعاد مصر إلى «نظام الحزب الواحد»، أو «الجبهة الواحدة» التي كانت تشهده أيام «الاتحاد القومي» و «الاتحاد الاشتراكي العربي» و «حزب مصر العربي الاشتراكي» وهي التنظيمات التي نشأت تباعاً عقب ثورة تموز (يوليو) 1952، وهو حال يشبه ما عليه سورية الآن، والعراق أيام حكم صدام حسين.

 

3 - أزمة شرعية: فالنظام المصري كان في حاجة ماسة إلى تجديد شرعيته، فالشرعية الثورية تراجعت بفعل الارتداد عن توجهات حركة ضباط تموز (يوليو)، وليس هناك فرصة لبناء شرعية تقوم على الإنجاز في ظل الضعف الهيكلي الذي أصاب مصر في العقود الأخيرة، وعجز الحكومة عن إيجاد حلول حقيقية للمشاكل المتراكمة. والشرعية التقليدية مفتقدة بالطبع في نظام جمهوري لا يستند إلى نسب أو عائلة، ومن ثم لم يكن أمام النظام من سبيل سوى بناء «شرعية دستورية» عبر إجراءات سياسية إصلاحية تجذب إليه الجماهير، وتقنعهم بما يدعيه من تبني «فكر جديد» ترعاه المجموعة المتحلقة حول جمال نجل الرئيس مبارك. لكن ما حدث في الانتخابات هو استمرار عزوف الجماهير عن المشاركة السياسية لعدم اقتناعها بالدعاية التي أطلقتها السلطة حول نزاهة الانتخابات.

وعلى رغم أن اللجنة العامة المشرفة على الانتخابات ذكرت أن نسبة المشاركة بلغت 35 في المئة ممن لهم حق التصويت وهم نحو أربعين مليون مصري فإن النسبة الحقيقية كما رصدها بعض مؤسسات المجتمع المدني المصري، التي سمح لها بمتابعة سريان عملية التصويت، أظهرت أن هذه النسبة لم تتعدَّ 10 في المئة.

 

وفي ظل ما هو معهود عن مبالغة السلطة دوماً في إعلان نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة، سواء للمجالس البلدية أو البرلمان أو أيام الاستفتاء على رئيس الجمهورية الذي تحول إلى انتخاب في المرة الأخيرة، فإن الأقرب إلى الصدق هي النسبة التي أعلنها المجتمع المدني. ومعنى هذا أن نسبة من حضروا الانتخابات لا تزيد عن 4 ملايين مصري، قد يكون ثلاثة منهم صوتوا لمصلحة الحزب الوطني، وذلك إذا جمعنا الأصوات الحقيقية إلى جانب الأصوات التي تم تسويدها عنوة، وهذا رقم هزيل قياساً إلى بلد يربو عدد سكانه على 80 مليون نسمة.

 

وهذه الأزمات الثلاث حول الشرعية والصدقية والبنائية تجعل انتصار الحزب الحاكم الكاسح في الانتخابات بلا معنى حقيقي، لا سيما أن الفائزين موزعين من الناحية العملية على تيارين أو جناحين بينهما صراع مكتوم، وهما الجناحان اللذان يحلو للكثيرين تسميتهما بـ «الحرس القديم» و«الحرس الجديد». ومن ثم بدت الانتخابات في حد ذاتها وكأنها معركة بين هذين الفريقين حيث حاول كل منهما أن يعزز وجود رجاله تحت قبة البرلمان، وهو المقصد الذي دفعهما إلى عمل شيء غير مسبوق في أية انتخابات على وجه الأرض، وهو «الدوائر المفتوحة» حيث رشح الحزب الحاكم أكثر من مرشح له على مقعد واحد في أغلب الدوائر الانتخابية.

 

في المقابل خسرت أحزاب المعارضة وجماعة «الإخوان المسلمين» في الجولة الأولى خسارة جارحة، بفعل التجاوزات والانتهاكات التي شابت العملية الانتخابية من ناحية، وبواقع الضعف البنيوي الذي تعاني منه هذه الأحزاب أصلاً، نتيجة حصارها الطويل بفعل القوانين الاستثنائية وحرمانها من الموارد المتنوعة التي يحظى بها الحزب الحاكم، ومنها الهيمنة على الجهاز البيروقراطي، والسيطرة على جهاز الأمن، وامتلاك القدرات الاقتصادية للدولة المصرية وتـــوظيفها في خــدمة الحزب ومرشحيه. لكن خسارة أحزاب المعارضة تسير في اتجاه مناقض لما كـــان يريده الحزب الحاكم. فالأخير كان يعتقد أن خسارة منــافسيه ستصب بالضرورة في مصلحته، وتضيف إلى رصيده السياسي والاجتماعي، لكن ما حدث هو العكس تماماً. فانســحاب «الــوفد» و«الإخوان» من خوض الجولة الثانية من الانتخابات أكسبهما تعاطفاً شعبياً طالما بحثا عنه وحرصا عليه، لأن هذه الخطوة وافقت إرادة وموقف التيار الوطني العام، الذي تعامل مع الانتخابات بفتور شديد، ويزداد غبنه من أداء حكومة الحزب الوطني بمرور الأيام.

 

كما تدفع هذه الخسارة بعض الأحزاب المتعاونة مع السلطة، الراضية بتمثيل دور الديكور، إلى الانفجار، الذي قد يؤدي إلى إزاحة قيادات حزبية معارضة بينها وبين الحزب الحاكم علاقات منافع ومصالح، وتدفع إلى الواجهة قيادات جديدة، تؤمن بأن أحزاب المعارضة يجب ألا تكتفي بالهامش المرسوم لها سلفاً من السلطة، وعليها أن تتمرد على الوضع المزري الذي تعيشه على مدار ثلاثة عقود، وتبدأ في رص صفوفها وترميم شروخها ورتق خروقها ومناطحة الحزب الحاكم. لهذا كله تحول أحزاب المعارضة خسارتها الفادحة إلى مكسب، بينما يجد الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم نفسه، على رغم اكتساحه الانتخابات، نفسه يخسر تدريجاً، ويجهز بيده على النظام شبه التوافقي الذي بناه وعاش في كنفه، يحكم الشعب، ويأمر أحزاب المعارضة فتطيع.

 

* كاتب مصري


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved