WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Dec 9, 2010
Source: جريدة النهار اللبنانية
 
مصر: انتخابات نزع الشرعيات الثلاث

عمرو حمزاوي


دعوت يوم الأحد الماضي الناخبات والناخبين في مصر للذهاب إلى مراكز الاقتراع، على الرغم من محدودية ضمانات نزاهة العملية الانتخابية وبعد أن أفشل غياب وحدة قرار المعارضة خيار المقاطعة الذي مثل لي الإستراتيجية الأفضل للتعامل مع الانتخابات. وعللت دعوتي هذه من جهة بالتأكيد على بعض فوائد الحد الأدنى الممكن تحققها مع مشاركة المواطنين في الانتخابات كالحد جزئيا من التجاوزات والخروقات المتوقعة وإعطاء غطاء شعبي وفاعلية لجهود الرقابة المحلية، وبالقول من جهة أخرى باستطاعة الناخبين توظيف أصواتهم بمسؤولية وذكاء بإعطائها لمرشحين يثقون بقدرتهم على تمثيل الدائرة المعنية بأمانة أو بالتصويت الاحتجاجي ضد نواب سابقين لم يقدموا المنتظر منهم، أو بالاحتجاج على احتكار الحزب الوطني لمجلس الشعب ومساندة مرشحي المعارضة أو بالتصويت للمرشحات والمرشحين الأقباط ودعم مشاركتهم الإيجابية في الشأن العام في لحظة احتقان طائفي مقيت.


وقد كان هدفي هنا هو التمييز سياسيا ومجتمعيا بين الملامح الكبرى لمشهد انتخابي غير ديموقراطي ومعلوم النتائح سلفا، أي تلك الملامح التي تفرض على الناخبين مزيجا محبطا من الشك في نزاهة العملية الانتخابية وفي جدواها وتدفعهم من ثم تقليديا إلى العزوف عنها والبقاء بعيدا عن مراكز الاقتراع، وبين بعض الساحات الفرعية والتفاصيل الصغيرة التي كان لها أن تتحول إلى ظواهر إيجابية يوم الانتخاب شريطة مشاركة المواطن.


فما الذي حدث في هذا الشأن في جولة الانتخابات البرلمانية الأولى؟ لم تقنع فوائد الحد الأدنى هذه العدد الأكبر من الناخبات والناخبين في مصر ولم تمكنهم من التغلب على شكوكهم التقليدية، فجاءت نسبة مشاركتهم (وبعيدا عن مبالغات اللجنة العليا للانتخابات التي تحدثت بمفردها عن نسبة 35 بالمئة!) على التدني ذاته الذي وسمها في الانتخابات البرلمانية الماضية، أي 20 في المئة في أحسن الأحوال، ونزعت بذلك عن انتخابات 2010 أحد المضامين الأساسية لشرعيتها والمتمثل في مشاركة شعبية حقيقية.


ثم جردت الانتخابات، وبفعل التجاوزات والخروقات المنظمة التي شابت سير الجولة الأولى ووثقتها تقارير المراقبين المحليين وشهادات بعض القضاة، من مضمون الشرعية الثاني المرتبط بإدراة العملية الانتخابية بنزاهة (ولنقل في حالة مصر بشيء من النزاهة) تكفل تكافؤ الفرص (ولنقل في حالة مصر حدا أدنى من تكافؤ الفرص) بين المتنافسين وتضمن تعبير النتائج (ولنقل في حالة مصر إلى حد ما) عن تفضيلات هذا العدد (المحدود) من المواطنين الذين أدلوا بأصواتهم.


كعادتها هيمنت الأجهزة الأمنية على إدارة العملية الانتخابية، فتلاعبت بنتائجها لمصلحة مرشحي الحزب الوطني، وأعاقت بعض القضاة المشرفين عن القيام بعملهم، ومنعت الكثير من المراقبين من الدخول إلى مراكز الاقتراع أو البقاء بها مدة زمنية تكفي لتقويم سير الانتخاب على نحو موضوعي، وحالت بين ناخبين مؤيدين لبعض مرشحي المعارضة الحزبية وغير الحزبية وبين الإدلاء بأصواتهم. ولم تتمكن السلطة القضائية من الحد من هيمنة الأجهزة الأمنية، مع الضعف العملي للجنة العليا، وبعد إزالة الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات وتحول الأمر من "قاضٍ على كل صندوق" إلى قاضٍ لكل 20 مركز اقتراع تقريبا (بلغ عدد القضاة الذين أشرفوا على الجولة الأولى 2286 وزعوا في لجانهم العامة على أكثر من 45 ألف مركز اقتراع).


وتواكب مع محدودية نزاهة العملية الانتخابية، وترتب عليها جزئيا على الأقل، انتهاء الجولة الأولى للانتخابات بنتيجة صادمة للرأي العام المصري ولكل مهتم باحتفاظ مجلس الشعب الجديد بقدر من التوازن في ما خص تمثيل الحزب الحاكم وأحزاب وحركات المعارضة. فقد فاز مرشحو الحزب الوطني ب 209 من إجمالي 221 مقعد حسمت في الجولة الأولى، وسقط معظم مرشحي أحزاب المعارضة المسجلة وجماعة الإخوان المسلمين وقررت الأخيرة ومعها حزب الوفد سحب مرشحيهما الباقين لجولة الإعادة ومقاطعة الانتخابات. والحصيلة، وبغض النظر عن نتائج جولة الإعادة، هي أن تمثيل المعارضة المنظمة (أي المؤطرة في أحزاب أو حركات) في المجلس الجديد لن يتجاوز في أحسن الأحوال 5 في المئة، وأن الوفد والإخوان سيغيبان عنه بالكامل بينما سيمثل به الضعيف والهامشي من الأحزاب. نعم قد تسفر جولة الإعادة عن فوز عدد من المرشحين المستقلين بمقاعد في مجلس الشعب ربما زادت نسبتها عن 10 في المئة وقد لا ينضم جميع هؤلاء في ما بعد إلى الحزب الوطني وقد تتوقف غالبية الأخير عند حد 80 في المئة، إلا أن المؤكد هو أن المعارضة المنظمة لن يكون لها أي وجود حقيقي في المجلس الجديد ولن تقدر من ثم على المساهمة الفعالة في عمله التشريعي والرقابي. تنزع مثل هذه الحصيلة عن الانتخابات والمجلس، وهي تعني تماهيا شبه تام بين مؤسسة الحكم والسلطة التنفيذية وبين السلطة التشريعية عبر غالبية الحزب الحاكم الكاسحة، مضمونا ثالثا من مضامين الشرعية يتعلق بشرعية التمثيل المتوازن نسبيا للحكم والمعارضة وشرعية استقلالية السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية وممارستها الرقابة عليها (أو لنقل في حالة مصر شيئاً من الرقابة). نحن اليوم، وأكرر وبغض النظر عن نتائج جولة الإعادة، أمام مجلس شعب يتسم بتركيبة أحادية تذكر بعهود مجلس الأمة والاتحاد الاشتراكي وسينظر حتما لكل ما يمرره من تشريعات وقوانين وموازنات كترجمة مباشرة وصريحة لإرادة مؤسسة الحكم وحزبها بعد أن استأثرا به.


يدفع نزع مضامين الشرعية الثلاثة هذه، شرعية المشاركة الشعبية في الانتخابات وشرعية نزاهة العملية الانتخابية وشرعية التمثيل المتوازن بالسلطة التشريعية واستقلاليتها النسبية عن نظيرتها التنفيذية، بالحياة السياسية المصرية إلى أتون أزمة كبرى ذات تداعيات خطيرة. فقد أضحت انتخاباتنا سيئة السمعة وعادت المعارضة المنظمة إلى مقاطعة الأطر الرسمية وبتنا مجددا أمام برلمان اللون الواحد والوجهة الواحدة، كل هذا ومؤسسة الحكم على تعنتها، وفعلها لا يدلل على بدايات مراجعة نقدية أو بحث جاد عن مخارج للأزمة، وكل هذا ولم يعد يفصلنا عن انتخابات رئاسية حاسمة سوى أقل من عام.
هذه لحظة حزينة لمصر ولنا جميعا.

 

باحث مصري في مركز "كارنيغي" للسلام


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved