WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Dec 9, 2010
Source: جريدة النهار اللبنانية
 
تراجع "الإخوان" من تراجع التيارات الإسلامية العربية

عبدالمنعم سعيد


هناك تيار عام إقليمي ومحلي يؤكد على أفول تيار يتحدى الدولة العربية المدنية الحديثة‏،‏ وهناك أيضا في المقابل نخبة في الحزب الوطني الديموقراطي عرفت كيف تتعلم من دروس الماضي.
لا أدري هل كان الأمر من قبيل الصدفة وحركة الأقدار‏،‏ أم كان فيه بعض من الدروس والعبر التي تتعلمها المجتمعات من وقت لآخر‏.‏ وعندما قيل إن سمكة القرش راحت تهدد البشر على سواحل مدينة شرم الشيخ استرجع جيل بأكمله تلك الصورة التاريخية لفيلم شهير عرف باسم الفك المفترس‏JAWS‏ عندما هددت سمكة من أسماك القرش قرية سياحية آمنة وتمضي الأحداث لكي يتم اصطيادها بعد أحداث جسيمة اختلط فيها الخطر بالمهارة حتى حازت القرية على الأمن والأمان‏.‏ وقبل أن تظهر سمكة أخرى مفترسة في المدينة نفسها‏،‏ وربما كانت الصدفة وحدها هي التي واكبت اصطياد سمكة القرش بعد أن أصابت حفنة من ضيوف مصر مع ظهور نتائج الجولة الأولى للانتخابات التشريعية وفشل جماعة الإخوان المسلمين المحظورة في الحصول على مقعد واحد مما ترتب عليه انسحابها من المعركة الانتخابية كلها‏.‏


الطريف في الأمر أن المرشد العام للجماعة المحظورة أعلن بعد هذه النتائج أن جماعته انسحبت بعد أن حققت أهدافها كلها‏:‏ وهي المرة الأولى في تاريخ الانتخابات التشريعية في بلد ما يكون هدف الحركة السياسية إحراج النظام القائم‏.‏ ومصدر العجب هنا أن الجماعة دخلت في هذه الانتخابات مرارا‏،‏ وحازت على ثمانية مقاعد بالاشتراك مع حزب الوفد في عام‏1984،‏ ثم حصلت على أربعين مقعدا بالاشتراك مع حزب العمل عام‏1987،‏ كما حصلت على‏17‏ مقعدا في عام‏ 2000،‏ وأخيرا على‏88‏ مقعدا في عام ‏2005‏ ولكن في انتخابات‏2010،‏ حتى الجولة الثانية‏،‏ لم تحصل الجماعة على مقعد واحد‏،‏ ولم يحدث ذلك من قبيل المصادفة وإنما نتيجة قدرات تنظيمية وفكرية نجح من خلالها الحزب الوطني الديموقراطي في محاصرة الجماعة ومنافستها في الإنفاق والتنظيم والفكر السياسي الذي تتبناه الجماهير‏.‏


والحقيقة أنه لا يوجد سبب واحد يمكن الأخذ به لتفسير حالة الخروج لكتلة الإخوان المسلمين خالية الوفاض دون مقعد واحد في الجولة الأولى للانتخابات البرلمانية المصرية‏.‏ ومن هنا‏،‏ يمكن القول إن هناك تفسيرات عدة للتراجع الإخواني‏،‏ بعضها يتعلق بالوضع العام لأنظمة الحكم الإسلامية السابقة أو التيارات الإسلامية الحالية، في حين يتعلق بعضها الآخر بالشأن الخاص لجماعة الإخوان المسلمين في مصر‏.‏


إن النتائج العملية للأنظمة السياسية ذات التوجهات الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط كارثية‏،‏ وهو ما تبرهن عليه حالات إيران والسودان والصومال وأفغانستان وباكستان‏،‏ حيث سيطر الفقر المدقع والتراجع الاقتصادي والفساد في توزيع الثروات والتضييق على الحريات العامة‏،‏ بل نشطت الدعوات الانفصالية عن الدولة الوطنية‏.‏ ولم نجد دولا إسلامية خرجت من سياق الأزمات الدورية سوى تركيا وماليزيا‏،‏ فضلا عن استثناءات محدودة في المغرب وإندونيسيا‏،‏ حيث شهدتا أحزابا سياسية إسلامية دينية سارت على طريق الأحزاب الديموقراطية المسيحية في دول أوروبا الغربية التي جعلت الدين مرجعية أخلاقية تعزز ولا تقوض قدرة الدولة الحديثة‏.‏ ويظهر تأثير النوازع الأصولية الإسلامية يوما بعد آخر في اليمن ولبنان والعراق ويضع هذه البلدان في خطر عظيم‏.‏


ونتيجة ذلك تراجع وجود الإسلاميين في المنطقة‏،‏ وبرز في حالات بلاد عديدة منها الكويت والبحرين والمغرب والأردن وفلسطين‏.‏ وكان ذلك نتيجة أن الإسلاميين في الدول العربية يطلقون موجات متلاحقة من العداء لحرية الرأي والتعبير‏،‏ من خلال الدعوة المستمرة لمصادرة الكتب التي تطرح اجتهادات دينية والوصاية على الأفكار وتقييد حرية الإبداع والعداء للفن والثقافة‏.‏


وكانت النتيجة تراجع الإسلاميين السنة في الانتخابات التشريعية التي شهدتها الكويت في أيار ‏2009‏ بل تلقي صفعة قوية من الناخبين‏.‏ فقد تراجع نصيبهم من‏21‏ مقعدا في البرلمان السابق الى ‏11‏ في البرلمان الحالي‏،‏ حيث فاز التجمع السلفي الإسلامي بمقعدين مقابل أربعة مقاعد كان يسيطر عليها في البرلمان السابق بينما فازت الحركة الدستورية الإسلامية بمقعد واحد مقارنة بثلاثة مقاعد‏.‏ وفاز مرشحو القبائل بخمسة وعشرين مقعدا‏،‏ فضلا عن نجاح ما يسمي التيار المدني‏،‏ سواء من المستقلين أو الليبراليين أو النساء‏.‏


وبالنسبة للانتخابات البرلمانية التي شهدتها البحرين في تشرين الاول الماضي‏،‏ فقد أشارت نتائجها إلي استحواذ التيار الإسلامي الشيعي ممثلا في جمعية الوفاق على‏18‏ مقعدا‏،‏ ويليهم المستقلون المقربون من الحكومة وتقلص نفوذ الإسلاميين‏.‏ فبعد أن كان النواب الإسلاميون‏،‏ من جمعية المنبر الإسلامي والأصالة يشغلون‏15‏ مقعدا من مقاعد المجلس النيابي في البحرين خلال الفترة‏(2006-2010)،‏ لم تتمكن الجمعيتان من المحافظة على مكاسبهما السابقة‏،‏ واكتفتا بسبعة مقاعد فقط‏.‏


وفي الانتخابات الخاصة بالمجالس البلدية التي شهدتها المغرب في حزيران ‏2009،‏ تراجعت مرتبة حزب العدالة والتنمية إلي مكانة متأخرة‏.‏ فقد حصل حزب الأصالة والمعاصرة‏(‏ المعارضة‏)،‏ على‏4854‏ مقعدا متبوعا بحزب الاستقلال المشارك في الحكومة‏،‏ الذي حصل على‏4246‏ مقعدا‏،‏ وحزب التجمع الوطني للأحرار المشارك أيضا في الحكومة الذي حصل على‏3318‏ مقعدا‏،‏ والحركة الشعبية‏ (‏المعارضة‏)،‏ التي حصلت على‏1767‏ مقعدا‏،‏ والاتحاد الاشتراكي للقوى الشعبية المشارك في الحكومة وحصل على‏2534‏ مقعدا‏.‏ أما حزب العدالة والتنمية الإسلامي المعارض المعتدل فجاء في المركز السادس بحصوله على‏1135‏ مقعدا‏.‏


وفي الانتخابات الأردنية التي جرت في تشرين الاول الماضي‏،‏ قرر حزب جبهة العمل الإسلامي وهو الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين تفضيل خيار المقاطعة بدلا من التعرض لهزيمة قاسية‏.‏ وفي الحالة الفلسطينية سبق أن أخفقت تجربة حركة حماس في الحكم منذ انتخابها في ‏25‏ كانون الثاني ‏2006،‏ رغم حصولها على ‏76‏ مقعدا بنسبة ‏57.6%‏ من إجمالي عدد مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، حتى إنها لم تعد على استعداد لخوض انتخابات أخرى وأكثر من ذلك قامت بفصل قطاع غزة عن بقية فلسطين‏.‏


إن أحد التفسيرات المطروحة لتراجع التيارات الإسلامية تحت قبة البرلمانات العربية هو عدم قدرتها على ترجمة البرامج والسياسات التي تطرحها الى سياسات عملية مرتبطة بما يحدث على أرض الواقع‏،‏ وتكون النتيجة رسوبها في امتحان ما يسمى بـ "شرعية الإنجاز"‏.‏ ومن هنا‏،‏ فإن الهوية الإسلامية للتيارات السياسية لا توفر حصانة مطلقة من المحاسبة الشعبية‏.‏ وفي الحالة المصرية‏،‏ لم يكن لتنظيم الإخوان أجندة واضحة وفشل في التأثير على الأجندة التشريعية والرقابية لمجلس الشعب المصري برغم وجوده تحت قبته منذ خمس سنوات‏،‏ وهو ما يمكن قياسه بشكل علمي من خلال مؤشرات محددة مثل الاستجوابات وطلبات الإحاطة والمقترحات والأسئلة والبيانات العاجلة وغيرها‏.‏ فعلى الرغم من أنهم من الناحية العددية مثـلوا أكبر كـتلة معارضة في برلمان ‏2005‏ بحصولهم على ‏88‏ مقعدا‏،‏ وهو ما يعادل ‏20%‏ من مقاعد البرلمان‏،‏ إلا أن تأثيرهم كان ضعيفا وغير ملموس في القضية الحيوية المتعلقة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية‏.‏


إضافة الى ذلك‏،‏ عانت الجماعة من الارتباك في برامجها وعدم القدرة على حسم إشكالية أساسية متعلقة بطبيعة العلاقة بين الدين والدولة في مصر‏،‏ والخلط بين ما هو دعوي وأخلاقي وما هو سياسي‏،‏ وتقديم المصلحة الخاصة لهم كفصيل سياسي على المصلحة العامة للوطن‏.‏ هذا بخلاف الخلافات الحادة بين التيار المحافظ والتيار الإصلاحي على مدى الشهور الماضية‏،‏ التي انتصر فيها التيار الأول وبرز فيها الملمح الانشقاقي الذي تعاني منه غالبية الأحزاب السياسية‏.‏


إن الخصم الذي واجهه الإخوان المسلمون في المعركة الانتخابية التنافسية كان حزبا وطنيا ديموقراطيا مختلفا عما اعتاد عليه من قبل‏.‏ وإذا كان الاتجاه الشائع في وسائل الإعلام هو أن أكثر أمانات الحزب نشاطا وتأثيرا هي أمانة السياسات إلا أن هناك أمانة لا تقل عنها فاعلية هي أمانة التنظيم التي أدارت كل الجوانب التنظيمية للحزب بما في ذلك الإشراف على الوحدات الحزبية وعلى لجان وهيئات مكاتب الأقسام والمراكز والمحافظات ومتابعة أدائها لمهامها والتزامها بالانضباط الحزبي‏،‏ وتولت وضع قاعدة بيانات للقيادات التنظيمية وخطط تصعيد تلك القيادات‏.‏


وتقوم أمانة التنظيم بالإشراف اليومي على أداء أمناء المحافظات وعمل اللجنة البرلمانية والتنسيق بين الأمانة العامة والهيئة البرلمانية للحزب، والإشراف على تنفيذ أساليب العمل الخاصة باختيار مرشحي الحزب لخوض انتخابات مجلس الشعب والأساليب الخاصة باختيار أعضاء لجان وهيئات مكاتب الحزب حتى مستوى المحافظة‏.‏ واللافت للنظر أن أمانة التنظيم يغلب على العاملين فيها العنصر الشبابي الذي يتمتع بمؤهلات تعليمية ومهارات تكنولوجية‏،‏ تجعله قادرا على التعبئة والحشد والتنظيم والتنسيق والتخطيط لفاعليات العملية الانتخابية بشكل منهجي ومنظم‏،‏ بخلاف توافر العوامل المادية التي لم يبخل بها أعضاء الحزب الى درجة باتت تنافس الموارد المادية للجماعة‏.‏


هذه الأمانة‏،‏ بالإضافة الى جهد الأمانات الأخرى في مجال السياسات والإعلام والتنمية الاقتصادية قامت بدراسة دقيقة للدوائر التي سقط فيها رموز الحزب عام ‏2005‏ ومرشحوه‏،‏ ما ادى الى اختيار مرشحين جدد يتمتعون بشعبية كبيرة ومصداقية عالية واللجوء لآلية المجمع الانتخابي لتصفية المرشحين والرجوع إلى الشعب كفيصل في الحكم إذا كان هناك أكثر من مرشح‏.‏ وكانت الشبكة التي نجح بها الحزب في اصطياد أسماك القرش الإخوانية هي الدراسة النافذة لكل دائرة على حدة‏،‏ ومن ثم فإن الترشيح المتعدد للحزب الوطني في دوائر عدة لم يكن اعتباطيا وإنما كان لامتصاص التأييد في المناطق المضادة للحزب وليس لتفتيت أصواته كما ظنت فضائيات عدة‏.‏


لقد كان هناك تيار عام إقليمي ومحلي يؤكد أفول تيار يتحدى الدولة العربية المدنية الحديثة‏:‏ ولكن كان هناك أيضا في المقابل نخبة في الحزب الوطني الديموقراطي عرفت كيف تتعلم من دروس الماضي‏،‏ والأهم كيف تستخدم أساليب وأدوات الحداثة والمعاصرة لكي تفوز في المعركة الانتخابية‏.‏
 
رئيس مجلس ادارة صحيفة "الاهرام" المصرية


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved