|
شكلت استضافة بيروت المؤتمر الذي نظّمته وكالة «الاسكوا» التابعة للأمم المتحدة حول الاصلاح والانتقال الى الديموقراطية في العالم العربي بحضور الامين العام للأمم المتحدة بان كي مون، فسحة سياسية امتدت لنحو ثلاثة ايام وساهمت في تبريد الملفات الشائكة والمثيرة للجدل على المستوى الداخلي.
ومع ان هذا المؤتمر شهد على هامشه لقاءات كثيفة بين الامين العام للأمم المتحدة وممثلي القوى السياسية وكبار الرسميين، فإن مضمون اللقاءات لم يخرج بحصيلة لافتة غير اعتيادية بل جاء بمثابة تثبيت لواقع يتعامل فيه المجتمع الدولي مع لبنان على اساس الدفع نحو استمرار الاستقرار النسبي الذي يعيشه في ظل الثورات العربية، والحض على المضي في الاستقرار وتحصين الوضع الداخلي من اي انعكاسات سلبية يخشى منها عليه جراء الثورة السورية خصوصاً.
ومع عودة النشاط الرسمي اليوم الى وتيرته العادية، بعدما غادر بان بيروت التي واصل فيها وزير الخارجية التركي احمد داود اوغلو محادثاته امس، تتفتح امام الحكومة مجموعة الملفات التي لا تزال عالقة وسط تعثر واضح في حسمها وفي مقدمها ملف زيادة الاجور وملف الموازنة وملف التعيينات.
ومن المقرر ان يعقد مجلس الوزراء جلسة استثنائية بعد ظهر اليوم في قصر بعبدا لاستكمال بتّ هذه الملفات وسط اجواء ضبابية يصعب معها معرفة ما اذا كانت المشاورات التي اجريت في الايام الاخيرة ستفتح ثغرة في جدار الخلافات التي تحكمت خصوصاً بملف الاجور والذي بات يختصر واقع عجز الحكومة عن اختراق الانقسامات المتصاعدة داخل صفوفها على مجموعة سياسات اجتماعية واقتصادية.
وتقول اوساط وزراية لـ «الراي» ان هذا الملف في حال عدم حسمه وطيّه نهائياً في جلسة اليوم او في الجلسة اللاحقة التي ستعقد الاربعاء على ابعد تقدير ينذر بتفاقم الخلافات داخل الحكومة على ملف الموازنة الذي تواجه عبره الحكومة مسألة الانفاق من خارج الموازنة. وهو امر اثير في الجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء الاسبوع الماضي وتقرر إعادة بحثه في جلسة اليوم.
ويبدو واضحاً ان المسار الحكومي في هذين الملفين بات رهناً بقرار سياسي توافقي لم تتوصل اليه بعد القوى المشاركة في الحكومة. وتخشى الاوساط الوزارية من ان تتحكم خلفيات سياسية طارئة بطريقة المعالجة الحكومية لهذه الملفات خصوصاً في ضوء الايحاءات التي بدأت ترتسم مع اقتراب موعد استحقاق التمديد للمحكمة الدولية مطلع مارس المقبل. فمع ان الامين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله تجاهل في كلمته السبت الماضي هذا الموضوع تجاهلاً تاماً، استوقفت تسريبات صحافية الاسبوع الماضي عن موقف «حزب الله» الرافض للتمديد للمحكمة والذي ابلغ الى الرئيس نجيب ميقاتي الاوساط المعنية.
ووسط صمت ميقاتي وعدم تعليقه على التسريبات بدا للمعنيين ان «حزب الله» بدأ التمهيد لمعركة عرقلة الموافقة اللبنانية على التمديد للمحكمة. وهو امر سيضع رئيس الحكومة مجدداً امام اختبار صعب، وربما هذه المرة اشد صعوبة من معركة التمويل التي كسبها ميقاتي ولا شيء يضمن له اليوم ان يمر استحقاق التمديد بشكل مشابه لتلك التجربة.
وكانت بيروت انهمكت امس باستكمال وزير الخارجية التركي محادثاته في بيروت على هامش مشاركته في المؤتمر عن «الربيع العربي»، اذ زار الرئيس امين الجميل ومطران بيروت وتوابعها للروم الارثوذكس الياس عودة وذلك غداة لقاءت رسمية عقدها شملت ايضاً رئيس كتلة نواب «حزب الله» محمد رعد.
كما برز اجتماع مساء السبت في فندق فينيسيا بين الامين العام للامم المتحدة ورئيس الديبلوماسية التركية بحثا خلاله في أحوال سورية وايران وقبرص، قبل ان يعلن بان «أن المسار الخطر في الازمة السورية هو مصدر قلق خطر». واذا كان لقاء اوغلو ـ رعد شكّل اول تواصل بين الجانبين منذ نحو عام حيث كان وزير الخارجية التركي في بيروت مع رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم محاوليْن إنقاذ مبادرة «السين ـ سين» (السعودية وسورية) قبل ان يفشلا وتُدفن هذه المبادرة مع إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، فان التواصل الجديد بين انقرة والحزب كان «ساخناً» حمل تعميقاً لتبايُن «الرؤية والوجه» (كما قال رعد) بين الجانبين حيال ملفات المنطقة ولا سيما سورية. وقد عبّر رئيس كتلة نواب «حزب الله» بعد اللقاء صراحة عن هذا التباين، مؤكداً «ضرورة ان يكون التغيير نابعاً من الشعب وليس مفتعلا من الخارج».
وفيما ذكرت تقرير صحافية ان «حزب الله» انتقد خلال اجتماع الساعتين مع اوغلو التعاطي التركي مع الأزمة في سورية، حرص رعد على القول ان هناك «لقاءات مشتركة أخرى» بين الحزب وتركيا، الامر الذي عكس بحسب مراقبين إشارة الى «خط التواصل الايراني ـ التركي الذي لم ينقطع على غرار الانقطاع بين دمشق وأنقرة».
وفي موازاة ذلك، بقيت اللقاءات التي عقدها بان كي مون مع الشخصيات السياسية في بيروت محور اهتمام علماً ان الامين العام للامم المتحدة اجتمع يوم السبت بعد عودته من الجنوب برئيس كتلة «المستقبل» الرئيس فؤاد السنيورة على رأس وفد، ثم الرئيس أمين الجميّل وأخيراً رئيس «جبهة النضال الوطني» النائب وليد جنبلاط.
وذرت صحيف «النهار» ان بان أبلغ السنيورة خلال اللقاء ممازحاً: «ما زلتَ حتى الآن تحظى بمرتبة المسؤول الذي تحدثت معه أكثر من غيره في العالم». وفيما جرى تأكيد تمديد العمل ببروتوكول المحكمة الخاصة بلبنان وتطبيق القرار 1701 الخاص بسلاح الميليشيات، اقترح السنيورة على كي -مون قيام الأمم المتحدة بتحديد الحدود البحرية والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وسلمه لهذه الغاية خرائط خاصة باعتبار ان السنيورة إبان رئاسته الحكومة تابع هذا الملف.
وفيما صرّح الجميّل بأنه ركز شخصياً على «ضرورة الاهتمام بقضية اغتيال نجلي بيار لأن اغتياله له علاقة بمسار المحكمة»، نُقل عن جنبلاط أنه ركز في اللقاء على «أهمية تنفيذ القرار 1701 وتطبيقه ومنع الخروق الاسرائيلية واستعادة بلدة الغجر المحتلة».
من جهته قال مارتن نيزيركي الناطق باسم الامم المتحدة إن الامين العام اجتمع مع الزعماء اللبنانيين بناء على طلبهم وناقش معهم «دعم المنظمة الدولية للبنان وتنفيذ قرارات مجلس الامن ذات الصلة ومساهمات لبنان المهمة للمنظمة». واضاف: «وجرى تبادل لوجهات النظر في المواضيع الاقليمية لاسيما الاوضاع في سورية وتأثيرها على لبنان».
وفي سياق متصل، أكد مستشار الرئيس سعد الحريري الوزير السابق محمد شطح «أن قوى الرابع عشر من آذار لم تطرح موضوع الحدود اللبنانية السورية ولا موضوع النازحين السوريين في لبنان مع الامين العام للأمم المتحدة»، لافتاً الى «أن بان هو من طرح هذا الموضوع مع الحكومة اللبنانية»، ومشيراً الى «أن قوى 14 آذار تعرض مواقف بهذا الموضوع وليس أموراً تنفيذية».
|