WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Dec 12, 2010
Source: جريدة النهار اللبنانية
 
هل أُسقطت "أضربوهنّ" على كل المجتمع العربي؟

بقلم نجلاء حمادة
تحية إلى جمعية "كفى عنف واستغلال"
من الواضح أن الآية التي تقول "اضربوهنّ" حيث يسبقها "اهجروهنّ في المضاجع" (صورة النساء، 34)، تقصد بالمعنيات بإمكانية الضرب الزوجات وليس سواهنّ من النساء، فيكون من تسمح لهم أو تطلب اليهم ضرب زوجاتهم في حال الخوف من نشوزهن هم حصرياً الأزواج لا جميع الرجال. لكن الإسقاط الذكوري وسّع إمكانية الضرب ليطال الشقيقات والبنات والخادمات واحياناً الأمهات، وكاد يلغي شرط الضرب ، أي الخوف من النشوز، فيصبح حق الضرب غير المشروط متاحاً لكل الرجال حيال كل من تواجدن تحت سقوف بيوتهم من النساء. وهذا الإسقاط مع تمويه المعنى المراد صنع لنا بيئة تعيش النساء فيها مرعوبات من إمكانية تعرّضهنّ للضرب في كل بيت يوجد رجل فيه.


ولأن الشعور كثيراً ما يسبق الوعي، بتّ الآن أفهم شعوراً بالراحة والطمأنينة خبرته عندما كنت أزور صديقة الدراسة التي لم تشتمل أسرتها إلا على أم وشقيقة. كان بيتهنّ واحة طمأنينة تامة، مغايرة تماماً للشارع المليء بعدائية المتحرشين والذي لا يخلو من الوجوه المغلقة الغاضبة للمتعصبين، من ينظرون إلى النساء بشره وعدائية. وكان بيتهن مكاناً لا تخاف الواحدة فيه من عضلات أقرب الناس اليها، بدل أن تجد في تلك العضلات ذاتها حماية وعضداً في مواجهة عدائية العالم الخارجي.


وبما أننا لا نناقش حكمة كلام اللّه بل نحاول أن نفهمها، نستذكر أن البيئة التي نزلت فيها الآية الكريمة كانت بيئة مختلفة، يسود فيها ال"نحن" بدل ال "أنا". ففي بيئة قبلية تحكمها شفافية العيش الجماعي وترسخ فيها أعراف وأصول تعاقب المستخفين بها، لا تضرب الزوجة بتبرير واه. وإن حصل هذا فغالباً ما يُستنفر لنصرتها أقرباؤها، من يلتحمون معها برباط دم لعلّه الأقوى بين الجماعات العربية. أما في بيئة تتكوّن من أفراد تعلّموا التحرّر من الموروثات، وضمن عائلات نووية يسود كل منها رجل مطلق السلطة، مهما كبرت أو ضؤلت مؤهلاته العقلية والخلقية، فلا نصير للزوجة أو للشقيقة أو الإبنة أو عاملة المنزل إلا حماية القانون وشهامته وعدالته. فإن لم ينصرهنّ غدون في قبضة سلطة مطلقة لا رادع لها ولا منطق خارج ضمير الرجل الضارب تحتكم اليه.


وعندما نستعير من الغرب انساقاً مجتمعية ولا نردفها بالاحتكام لقوانين كالتي لديه، وعندما نتحرّر من بعض تقاليدنا بانتقائية تضع الشعور بالمسؤولية والرحمة وواجب الدفاع عن الشقيقة والإبنة في وجه زوج ظالم في عداد ما نتخفّف منه، قد ننسى شرع اللّه الذي ندّعي الاحتكام اليه.


ويصعب إغفال علاقة إسقاط الضرب هذا وسوء قراءتنا للنص الديني بنوعية المواطنة التي تنتجها مجتمعاتنا. فما يجعل جميع نسائنا محكومات بسطوة الخوف وهاربات من مواجهة العنف دون الاستفادة ممّا يتيسّر من جدلية عقلانية أو من حكم القانون وعضد القربى، شبيه بما يولد مواطنة عشوائية تقفز بين المآزق دون تركيز على أصول ومخططات، حديثة كانت أم تقليدية متوارثة، تضيع معها نطاقات الحقوق والواجبات ويختلط فيها ما يصح وما لا يصحّ. يبدو أننا أسقطنا "أضربوهنّ" ليس فقط على جميع النساء، بل على جميع النساء والرجال والأولاد ممن لا يقعون في أعلى أهرامات سلطة تخيف وتقمع دون أن تسوس وتعدل. وهكذا وصلنا إلى حال يطغى فيه الرعب من الأذى الجسدي على الناس جميعاً ماعدا واحداً أو أكثر قليلاً في قمة سلطة يمارسونها وكأن اللّه سخّر لهم كل من حولهم.

 
ولعلّه لن تستقيم لنا أوطان ولا عائلات إن لم نحرّر الناس من الرعب من الأذى الجسدي. فالخائف لا يعرف كيف يفكّر وإن فكّر فهو لا يجرؤ على التعبير عمّا يعتمل في ضميره. بل الخائف لا يعرف لذة العيش ولا يقدّر نعمة الحياة التي يغدقها اللّه عليه، وقد يراها عبئاً ثقيلاً يستنفدها في الهرب من الأذى أو توقّعه. ومن يطغى الخوف على نساء أسرته لا بدّ أن يستقي منهنّ هذا الخوف ممن هم في مواقع السلطة، ممّا يؤدي به إلى القبول بتوارث السلطة وبتحجّر المجتمع، بقبول كل بال ومؤذ وهجين خوفاً من مواجهة القوة أو مناقشتها أو محاولة تغييرها.


 مرعوبونا من السلطة، من رجال ونساء يفقدون خاصة إنسانية أساسية هي التعلّم من الماضي ورسم معالم المستقبل الذي يريدون أو يتوقون اليه. فماضيهم إما مؤلم أو ذليل أما غدهم فيؤمنون بأنه إعادة للماضي فيشفقون منه وقد يتمنون في قرارة نفوسهم لو أنه لا يأتي أبداً.

 


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved