|
القاهرة - أحمد مصطفى دخلت جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر في مواجهة مفتوحة مع قوى ليبرالية ويسارية على خلفية تفردها وحليفها حزب «النور» السلفي بانتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية التي سيوكل لها وضع الدستور الجديد للبلاد. وأعلنت غالبية القوى المدنية الانسحاب من اللجنة، ما يضع الإسلاميين وفي القلب منهم «الإخوان» في حرج بالغ، خصوصاً مع توجه معارضيهم إلى القضاء للطعن في شرعية تشكيل اللجنة. وسعت الجماعة إلى التقليل من الزخم الاحتجاجي. وأفيد بأن قادتها أجروا سلسلة من الاتصالات لمحاوله إثناء المنسحبين عن قرارتهم، كما سعت إلى طمأنة المتحالفين معها في مسعى منها إلى تشكيل جبهة لإظهار تماسك لجنة الدستور. وعلم أن «الإخوان» يركزون في اتصالاتهم على مسألة شكل الدستور نفسه، وليس على تشكيل اللجنة. وبعد يوم عصيب، كُشف الستار في وقت متقدم من مساء أول من أمس عن شكل الجمعية التأسيسية، إذ استحوذ التيار الإسلامي على نصيب الأسد من تشكيلة اللجنة، ما أثار غضب التيار المدني. وأفيد بأن حزبي «المصري الديموقراطي» و«المصريين الأحرار» سينسحبان من تشكيلة اللجنة، وأن اجتماعاً بينهما إضافة إلى حزب «التجمع» اليساري الذي كان انسحب في وقت سابق سيعقد اليوم قبل إعلان موقف موحد غداً. وأبدى عدد من نواب حزب «الوفد» رغبتهم في الانسحاب غير أن اجتماعاً للهيئة العليا للحزب مقرراً الثلثاء سيحسم الأمر.
ولم يقف رفض تشكيلة لجنة الدستور عند القوى المدنية بل وصل إلى المؤسسة العسكرية أيضاً، رغم أن المجلس العسكري هو الذي أصر على منح البرلمان الحق في اختيار اللجنة التي سيوكل لها وضع الدستور رغم تحذيرات قوى ثورية وفقهاء دستور لم تفلح في إثنائه عن قراره. وأبدى مسؤول عسكري «امتعاض الجيش من شكل لجنة الدستور». وحذر من «ثورة جديدة» بسبب هيمنة الإسلاميين على عملية وضع الدستور. وأقر بـ «عدم رضا المؤسسة العسكرية عما تمخضت عنه لجنة الدستور، وما نتج منه من حال الاحتقان بين مختلف القوى السياسية في الشارع، وهو ما قد يؤدي إلى اندلاع ثورة جديدة». وأضاف أن «أية مشاكل في هذا الشأن ستكون القوات المسلحة طرفاً فيها، والتفكير بهذه الطريقة في اختيار أعضاء اللجنة سيؤدي بالتبعية إلى إنتاج دستور إسلامي وليس دستور دولة». لكن النائب الليبرالي عمرو حمزاوي رفض دعوات الانسحاب، مشدداً على ضرورة أن يقوم النواب المحسوبون على التيار المدني «بمسؤولياتهم ومحاولة انتظار دور داخل اللجنة... أما في حال وجدوا أن دورهم داخل اللجنة ديكوري فعليهم في حينها الانسحاب». وقال حمزاوي الذي اختير ضمن تشكيلة لجنة الدستور إن «التشكيل غلب عليه الانتماء التنظيمي أو الحزبي على حساب الكفاءات. الغالبية الطاغية استطاعت الاستئثار باللجنة على حساب فكرة التوافق الوطني». وقال لـ «الحياة» إن «الخاسر الوحيد في هذه المسألة هو التيار الإسلامي الذي أوجد حالاً من الخصومة بينه وبين مختلف التيارات الأخرى». لكن حمزاوي رأى أن «الناخبين وضعوا ثقتهم فينا للمشاركة في عملية وضع الدستور ولا يجب أن ننسحب من المعترك... وأحتفظ لنفسي بقرار الانسحاب في حال وجدت مشاركتنا غير مؤثرة». وشدد على «ضرورة أن يكون التصويت على نصوص الدستور بغالبية الثلثين، حتى يكون لنا دور وليس مجرد التمثيل المشرف».
وكان البرلمان بغرفتيه (الشعب والشورى) قرر مطلع الأسبوع الماضي أن تتشكل لجنة الدستور بالمناصفة بين النواب وشخصيات من خارج البرلمان. لكن مع ظهور الشكل النهائي وضح أن الإسلاميين سيمتلكون الغالبية من الجانبين إذ استحوذوا نحو 36 مقعداً من إجمالي 50 مقعداً خصصت للبرلمان، ناهيك عن المتحالفين معهم من النواب، كما مرروا ناشطيهم في النقابات والقريبين منهم ضمن المقاعد الخمسين الأخرى. وكان لافتاً أن تضم اللجنة نواباً في حزبي «الحرية والعدالة» و«النور»، كما ضمت رئيسي مجلس الشعب سعد الكتاتني والشورى أحمد فهمي وهما قياديان في «الإخوان»، فيما ضمت من خارج البرلمان عضو مكتب الإرشاد في «الإخوان» عبدالرحمن البر، إضافة إلى نائب رئيس «الحرية والعدالة» رفيق حبيب والناطق باسم «النور» نادر بكار. وضمت اللجنة رؤساء نقابات ينتمون إلى «الإخوان» مثل نقيب الصيادلة محمد عبدالجواد والمهندسين ماجد خلوصي.
وإلى هؤلاء وغيرهم قريبين من التيار الإسلامي، ضمت اللجنة النائبين عمرو حمزاوي وعمرو الشوبكي، والخبير السياسي معتز عبدالفتاح، والمفتي السابق نصر فريد واصل، ومن الأزهر محمد الطهطاوي، ومن الكنيسة مجدي شنودة، ونقيب الأشراف ومشايخ الصوفية عبدالهادي القصبي، ورئيس مجلس القضاء الأعلى حسام الغرياني، ونائب رئيس المحكمة الدستورية علي عوض صالح، والشاعر فاروق جويدة، وأستاذ القانون الدستوري في جامعة القاهرة عاطف البنا، ووزير العدل عادل عبدالحميد، ونقيب المحامين سامح عاشور، ونقيب الصحافيين ممدوح الولي، ونقيب الممثلين أشرف عبدالغفور، وعضو المجلس العسكري اللواء ممدوح شاهين، ورئيس أكاديمية الشرطة اللواء عماد حسين، ولم تضم اللجنة من شباب القوى الثورية سوى الناشط أحمد حرارة. وستعقد اللجنة التي تضم مئة عضو أول اجتماع لها الأربعاء المقبل. ومن المنتظر أن تكون الجلسة إجرائية يتم خلالها انتخاب رئيس للجنة ونائبيه والاتفاق على لائحة منظمة لعمل اللجنة، لناحية طريقة التصويت على نصوص الدستور داخل اللجنة، والنصاب القانوني لعدد الحاضرين في الاجتماع الملزم لتمرير نصوص الدستور، كذلك إمكان عقد جلسات استماع لقوى سياسية ومجتمعية مختلفة، وعلاقة اللجنة بالمحكمة الدستورية. وكان الإعلان الدستوري حدد ستة أشهر لوضع الدستور الجديد قبل عرضه على استفتاء شعبي، ومن المستبعد أن يتم وضع الدستور قبل الانتخابات الرئاسية المقررة نهاية أيار (مايو) المقبل. واتهم حزب «المصريين الأحرار» تيار الإسلام السياسي بـ «السعي إلى احتكار دستور مصر المقبل»، محذراً مما وصفه بـ «سلوك العناد الخطير والمدمر للعملية الديموقراطية الذي تلجأ إليه الغالبية البرلمانية لحزبي الحرية والعدالة والنور». وقال رئيس الحزب أحمد سعيد في بيان إن «العناد والغرور السياسي كانا السبب الرئيس وراء سقوط مبارك وانهيار حزبه الديكتاتوري الاستبدادي». وانتقد مؤسس «حزب العدل» النائب مصطفى النجار الطريقة التي تم بها اختيار أعضاء الجمعية التأسيسية، مشيراً إلى وجود «تعمد في استبعاد من شاركوا في الثورة أو كل من سبق له توجيه انتقادات للمجلس العسكري طوال فترة إدارته للبلاد خلال المرحلة الانتقالية». واستنكر «اتحاد كتاب مصر» في بيان أمس «تجاهل حزب الغالبية في البرلمان للأدباء والمفكرين وعدم اختيار أي منهم في عضوية الجمعية التأسيسية». وعبر المرشح المحتمل للرئاسة حمدين صباحي عن رفضه لما أسفرت عنه انتخابات اللجنة التأسيسية. وقال في بيان: «أشعر بالأسى والغضب والاستياء من الطريقة التي تم بها اختيار اللجنة المؤسسة للدستور، لأن مصر بكل تنوعها يتم اختزالها في غالبية طاغية لاتجاه سياسي بعينه، وهذا مؤشر خطر ينبغي لكل المصريين أن ينتبهوا إليه». وأضاف أن «الدستور ليس ملك غالبية أو أقلية، بل هو لكل المصريين، ولابد من أن يشعر كل مصري أن له في هذا الدستور حصانات وضمانات وحقوقاً». وبعيداً من انسحابات القوى السياسية، يواجه التيار الإسلامي وفي القلب من «الإخوان» معضلة أخرى تتعلق بطعون قضائية على قرار تشكيلة لجنة الدستور بالمناصفة بين النواب والشخصيات العامة. ووصل عدد الطعون إلى نحو 19 طعناً قضائياً، ومن المنتظر أن تنظر المحكمة الدستورية العليا غداً في ثلاثة من هذه الطعون. غير أن محامي «الإخوان» عبدالمنعم عبدالمقصود رد على هذه التحركات بتأكيد أن اختيار البرلمان للجمعية التأسيسية «متوافق تماماً مع الإعلان الدستوري الذي نص في المادة 60 على أن أعضاء البرلمان ينتخبون جمعية تأسيسية من مئة عضو، تتولى إعداد مشروع دستور جديد للبلاد في موعد غايته ستة أشهر من تاريخ تشكيلها».
وأوضح لـ «الحياة» أن «هذه المادة تفويض صريح من الشعب الذي وافق عليها في الاستفتاء لأعضاء البرلمان بتشكيل الجمعية التأسيسية لإعداد الدستور بطريق الانتخاب وجاء نصها بصيغة عامة مطلقة فلم يحدد طريقة التشكيل وإجراءاتها ولم يضع ضوابط أو قواعد أو معايير معينة لاختيار أعضاء تلك الجمعية. النص جاء بعبارة عامة تحتمل أن يكون المئة جميعهم من داخل البرلمان بغرفتيه وتحتمل أن يكون جميعهم من خارجه وتحتمل أن يكون بعضهم من خارجه وبعضهم من داخله».
|