WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Dec 12, 2010
Source: جريدة النهار اللبنانية
 
مصر والأردن: انتخابات تعددية نعم، لكن دون جوهر ديموقراطي أو إصلاحية !

عمرو حمزاوي ومروان المعشر 

 

بات إجراء انتخابات تشريعية تعددية ظاهرة اعتيادية تتكرر بانتظام في العديد من المجتعات العربية. بيد أن بعض الانتخابات العربية، وعلى الرغم مما تشهده من تنافس بين أحزاب وحركات وشخصيات مختلفة، تظل من جهة معلومة النتائج سلفا ومن جهة أخرى محدودة الأثر في ما خص دفع الحياة السياسية نحو إصلاح جاد يضمن السلم الأهلي ويمهد للتأسيس لحكم القانون ولتداول ديموقراطي وسلمي للسلطة ولإدماج كل القوى المجتمعية الفاعلة في إطار من مواطنة الحقوق المتساوية بغض النظر عن فوارق العرق والدين والنوع والانتماء الأيديولوجي.


وواقع الأمر أن وقائع ونتائج الانتخابات البرلمانية التي نظمت اخيرا في مصر، في 28 تشرين الثاني 2010، ونظيرتها الأردنية التي أجريت قبلها ببضعة أسابيع، في 9 تشرين الثاني 2010، قد قدمتا نموذجين راهنين لمثل هذه الانتخابات العربية المعلومة النتائج سلفا والمحدودة الأثر الإصلاحي ودللتا بجلاء شديد على تداعياتها الخطيرة على الحياة السياسية وعموم المشهد المجتمعي. أديرت انتخابات مصر والأردن، قانونيا وسياسيا وعملياتيا، على نحو يضمن استمرار هيمنة مؤسسة الحكم على العمل التشريعي ويحول دون منازعة تفردها بالسلطة التنفيذية ويكرس ضعف المعارضة وتفتتها ويختزل التنافس بين الحكم والمعارضة إلى محض واجهة تعددية خالية من المضمون ويجرد الانتخابات من ثم من جوهرها الديموقراطي والإصلاحي.


ففي مصر، اتسمت انتخابات مجلس الشعب 2010 بنواقص قانونية وسياسية وعملياتية عدة ضمنت، إن بشأن النتائج المعلومة سلفا أو لجهة غياب الجوهر الديموقراطي، عدم اختلافها عن مجمل ما أجري في مصر من انتخابات برلمانية منذ النصف الثاني من السبعينات. فالإطار الدستوري والقانوني الناظم للعملية الانتخابية، خاصة بعد إلغاء شرط الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات (وهو ما ضمنته تعديلات 2007 الدستورية) والقيود الكثيرة التي فرضت على الرقابة الداخلية والرفض الحكومي القاطع للرقابة الدولية، لم تقدم الحد الأدنى من ضمانات نزاهة وحيادية وتنافسية الانتخابات.
كذلك استمرت تدخلات الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم في سير العملية الانتخابية وتلاعبه المنظم بنتائجها مستغلا في ذلك شبكة الولاء الزبائني لمؤسسات الدولة والقدرات القمعية لأجهزتها الأمنية والمال الانتخابي لبعض أعضائه النافذين من كبار رجال الأعمال ونفوذ العوائل الريفية الكبيرة المنتمية له. كما أن القيود القانونية والأمنية التي واجهتها دوما أحزاب وحركات المعارضة في سياق مشاركتها في الانتخابات وحالت دون تنشيط المعارضة لأطرها التنظيمية والتواصل مع قواعدها الناخبة والرأي العام وعقد المؤتمرات الجماهيرية أو ضمان حصول قياداتها ومرشحيها على تغطية إعلامية توازي أو على الأقل تقترب مما يحصل عليه الحزب الوطني، استمرت على حالها ولم تتراجع ولو قليلا في 2010 مقارنة بالانتخابات السابقة.


بل أن سلسلة القيود والإجراءات القمعية التي استهدفت بها مؤسسة الحكم قبل انتخابات 2010 التنظيم المعارِض الأكبر في مصر، أي جماعة الإخوان المسلمين، أثارت العديد من الشكوك حول نزاهة الانتخابات البرلمانية وتنافسيّتها الفعلية. نعم سمح قانون الانتخابات المستند إلى قاعدة الترشح الفردي للجماعة المحظورة قانونا بالمشاركة في الانتخابات عبر بوابة المرشحين المستقلين. بيد أن الإخوان الذين تمكنوا في عام 2005 من إدارة حملتهم الانتخابية بصورة علنية مستخدمين شعار "الإسلام هو الحل" ونافسوا آنذاك على ثلثَي مقاعد مجلس الشعب تقريبا، واجهوا في 2010، وعلى الرغم من إعلانهم نيتهم المنافسة فقط على ربع مقاعد المجلس الجديد، استبعاد اللجنة العليا للانتخابات لعدد معتبر من مرشحيهم للانتخابات والتضييق المستمر على حملاتهم الانتخابية بعد اعتماد الحظر القانوني لشعار "الإسلام هو الحل" واعتقال العديد من أنصارهم قبيل الانتخابات، ومورس شيء من العنف ضد المرشحين المسجلين قبيل الانتخابات وضد ناخبيهم يوم الانتخاب. وقد لعبت هذه السلسة من القيود والإجراءات القمعية الدور الأكبر في إخفاق مرشحي الإخوان في الفوز بأي مقعد في الجولة الأولى للانتخابات البرلمانية ودفعت الجماعة إلى إعلان انسحابها من الانتخابات قبل جولة الإعادة، وبعد أن كان لها 88 نائبا في مجلس الشعب المنتهية ولايته.


وتواكب مع كل ذلك، أي مع نواقص الإطار الدستوري والقانوني وتوظيف أجهزة الدولة لحسم الانتخابات لمصلحة الحزب الحاكم والإجراءات القمعية والعنيفة ضد المعارضة والتي أودت بحرية العمل التنظيمي والسياسي، مجموعة من القيود التي فرضتها مؤسسة الحكم قبيل الانتخابات على الحريات الإعلامية والصحافية وحرية التعبير المنظم عن الرأي. وقد كان أبرز القيود هنا هو إجبار المحطات التلفزيونية الفضائية على الحصول على إذن رسمي قبل بث تقارير إخبارية مباشرة من أيّ مكان في مصر، وكذلك إجبار مزوِّدي الهواتف الخلوية على الحصول على إذن مماثل لإرسال رسائل نصّية موحَّدة إلى المستخدمين، وهي تقنية لجأت إليها المعارضة قبيل الانتخابات أكثر فأكثر لتعبئة الأنصار والتواصل مع الرأي العام.


مثل هذه الإدارة، أو لنقل الهندسة القانونية والسياسية والعملياتية للانتخابات البرلمانية المصرية، من قبل مؤسسة الحكم أفرغتها من الجوهر الديموقراطي والتداعيات الإصلاحية. فقد وثّق المراقبون المحليون، بل وبعض القضاة المشرفين على الانتخابات، الكثير من التجاوزات والخروقات التي شابت الانتخابات كالتدخل المنظم للأجهزة الأمنية لمصلحة مرشحي الحزب الحاكم ومنع العديد من المراقبين المحليين من الدخول إلى مراكز الاقتراع أو البقاء بها مدة تكفي لتقويم سير العملية الانتخابية ووقوع بعض أعمال عنف أمام مراكز الاقتراع. أودت هذه القائمة المحبطة من التجاوزات والخروقات بنزاهة وشفافية وتنافسية الانتخابات ونزعت الصدقية عن وعد مؤسسة الحكم بإجراء انتخابات حرة وتعددية تفخر بها مصر.


والحصيلة المباشرة هي مجلس شعب مشكوك في شرعيته، يسيطر الحزب الحاكم على ما يقرب من 85 في المئة من مقاعده ويقزم به تمثيل المعارضة الحزبية وغير الحزبية إلى بضعة مقاعد غير مؤثرة. أما الحصيلة السياسية الأكبر والأخطر فتتمثل في كون رهان المدى الطويل للمعارضة الديموقراطية، ولدعاة السلام والإصلاح ولإدماج كل القوى المجتمعية في إطار المواطنية، على تحول مصر التدرجي نحو الديموقراطية من بوابة الانتخابات التنافسية والبرلمانات التعددية وصولا إلى تداول السلطة وحكم القانون، أثبت فشله الذريع. فمنذ 1976، أي منذ بداية تجربة التعددية الحزبية، وإلى اليوم لم تتغير حياة مصر السياسية جذريا، لا في ما خص استمرار غياب تداول السلطة وهيمنة مؤسسة الحكم وحزبها ولا لجهة الإدارة السلطوية للعلاقة بين النخبة والمعارضة وبين النخبة وعموم المواطنين أو بالنظر إلى حضور الأدوات القمعية وقدرة النخبة على استخدامها في أي وقت وظرف.


أما في الأردن، فيشوب عملية الإصلاح السياسي المتعثرة تشوه هيكلي يرتبه قانون الانتخاب الذي صمم، عن قصد، بهدف استمرار إفراز مجالس تشريعية يغلب عليها الطابع الخدماتي وتفتقر إلى حضور تكتلات أو أحزاب سياسية ذات فاعلية على المستوى الوطني ولها برامج واضحة تمكنها من ممارسة دور تشريعي ورقابي حقيقي.


فقانون الصوت الواحد المجزأ (صوت واحد لكل مواطن ضمن دائرة متعددة المقاعد)، والذي عدل قبل الانتخابات الأخيرة دون إجراء حوار وطني حقيقي حوله، وكذلك التقسيم المعمول به للدوائر الانتخابية حالا دون الحد من سيطرة النواب الخدماتيين على مجلس النواب ورتبا من ثم، ونظرا لاعتماد هذه المجموعة من النواب في معظم الأحيان على الدولة وأجهزة السلطة التنفيذية لإيصال الخدمات الى مناطقهم وافتقادهم الاستقلالية المطلوبة للاضطلاع بمهام محاسبة ومساءلة الدولة، استمرار ضعف القدرات الرقابية للمجلس. بل إن انتخابات تشرين الثاني الماضي أضافت إلى هذا الواقع السلبي، وفي تشابه بيّن مع الحالة المصرية، ملمحا جديدا تمثل في غياب المعارضة الجادة عنه بعد أن قاطعت جبهة العمل الإسلامي، وهي الحركة السياسية الأكبر في البلاد، الانتخابات لاقتناعها بعدم جداوها في دفع عملية الإصلاح قدما.


وحقيقة الأمر أن الحياة السياسية الأردنية مازالت تعاني من هيمنة طبقة محافظة عليها، تديرها قانونيا وإجرائيا وعملياتيا على نحو يحول دون إدخال إصلاحات فعلية، حتى وإن كانت تدريجية. وقد نصّبت هذه الطبقة نفسها، وبصورة بالغة الإقصائية، مدافعة عن مصالح الدولة وحدها دون غيرها وسيطرت على الأجهزة التنفيذية المختلفة. ودوما ما عارضت الدعوة إلى تغيير حقيقي في قانون الانتخاب ومطالب الإصلاحيين بتقوية تمثيل التكتلات والأحزاب السياسية بمجلس النواب متذرعة بحجة عدم إتاحة الفرصة للإسلاميين بالاستحواذ على غالبية داخل المجلس. بيد أن النتيجة العملية لهذه التفضيلات وسياسات هذه الطبقة المحافظة كانت ازدياد نفوذ المعارضة الدينية داخل الشارع الأردني والتراجع المستمر لبقية التيارات السياسية التي لا تملك الحضور المجتمعي المؤثر للإسلاميين ولم يفسح لها المجال للتواجد داخل المجلس التشريعي.


ومع إدراك الطبقة المحافظة المهيمنة على الحياة السياسية في الأردن والأجهزة التنفيذية التابعة لها لحقيقة أن مجلس النواب سيبقى حكما ضعيفا ما لم يغير قانون الانتخاب والتقسيم المعمول به للدوائر الانتخابية، ومع تكرر نداءات الملك عبد الله الثاني لإصلاح العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بتعظيم دور وفاعلية مجلس النواب، لجأت في الانتخابات الأخيرة إلى التركيز على الإجراءات التقنية لضمان نزاهة الانتخابات وشفافيتها والسماح بالرقابة الدولية على مجمل العملية الانتخابية. وقد هدف ذلك إلى تحويل الأنظار عن جوهر المعضلة الأردنية، وهو كيفية الوصول إلى مجلس نواب قوي يمارس العمل التشريعي والرقابي بجدية وسبل تطوير نظام ناجع للنزاهة والشفافية يتجاوز الأمور الإجرائية المتعلقة بالعملية الانتخابية.


وعلى الرغم من أن جلّ استطلاعات الرأي التي أجريت خلال الأعوام الماضية قد أظهرت بما لا يدع مجالا للشك أن المجلس التشريعي وبغض النظر عن درجة نزاهة العملية الانتخابية التي أفرزته (وتلك تفاوتت بشدة في الحقبة الأخيرة وفقا لاعتراف الحكومة الأردنية نفسها) سيبقى مفتقدا للحد الأدنى من الرضاء الشعبي ومن الفاعلية ما لم يغير قانون الصوت الواحد المجزأ. أما الأصوات الإصلاحية، التي نادت ومازالت بتغيير القانون بهدف إفساح المجال أمام التكتلات والأحزاب الفاعلة على المستوى الوطني لدخول مجلس النواب، ومن ثم إعادة الهيبة لدوره وتوسيع قاعدة صنع القرار العام من خلال مؤسسة تشريعية قوية تكون ضمانة حقيقية للاستقرار والازدهار، فقد أقصيت أو تم تهميشها في أحسن الأحوال.


تختلف الانتخابات المصرية عن نظيرتها الأردنية في تفاصيل إداراتها القانونية والسياسية والعملياتية وتتفاوت كذلك خصائص قوانين الانتخاب المعمول بها في البلدين، بيد أنهما تشتركان من جهة في كونهما باتتا محدودتي الصلة بالجوهر الديموقراطي للانتخابات، ومن جهة أخرى في كونهما تمثلان في وقائعهما ونتائجهما ترجمة  عملية لمجمل اختلالات الحياة السياسية وغياب إرادة مؤسسات الحكم الإصلاحية. والحصيلة المؤلمة هي مجالس تشريعية ضعيفة، تغيب عنها المعارضة الحقيقية ويتهاوى دورها في الرقابة على السلطة التنفيذية إلى مهابط غير مسبوقة وتواجه أزمة صدقية وشرعية متنامية بين المواطنين. فهل لنا أن نصف انتخابات هذه وقائعها وتلك نتائجها "بالعرس الديموقراطي"؟ نشك.
    
(مروان المعشر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ووزير خارجية الأردن السابقعمرو حمزاوي مدير الأبحاث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت)


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved