WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Dec 14, 2010
Source: جريدة النهار اللبنانية
 
الديموقراطية العربية: سلعة لا تزال قليلة العرض

"الإيكونوميست"
ترجمة نسرين ناضر

 

كان الخريف موسماً حافلاً للديموقراطية العربية – أو على الأقل شبه الديموقراطية العربية. أجرت البحرين ومصر والأردن انتخابات عامة صاخبة، والشهر الفائت اقترب السياسيون العراقيون الذين انتُخِبوا في آذار الماضي، وأخيراً، من إنهاء المشاحنات حول كيفية تقاسم مغانمهم. لكن لا يبدو أن أياً من هذه الممارسات يبشّر بتغيير ديموقراطي عميق.


حتى إذا إضفنا الانتخابات التي أجريت في الأعوام القليلة الماضية في أماكن متنوِّعة مثل الجزائر والكويت ولبنان والمغرب وتونس واليمن، يبدو أن ممارسة الديموقراطية في مختلف أنحاء العالم العربي تولّد النتيجة نفسها إلى حد كبير: استمرارية حكم رجال أقوياء متجذّرين في مواقعهم، وإحباط القوى المعارضة لهؤلاء الحكّام وأحياناً جنوحها نحو الراديكالية، وانحطاط كلمة ديموقراطية إلى درجة أنّه غالباً ما لا يكون هناك فرق واضح فعلاً بين البلدان العربية التي تتباهى بممارستها وتلك التي لا تتظاهر حتى بممارستها مثل السعودية.


بعد عقدَين من نهاية الحرب الباردة وما حفّزته من موجة دمقرطة عالمية، وبعد حوالى عقد من محاولة جورج بوش تحريك موجته المتفائلة الخاصة، يبدو وكأن العرب لا يزالون محصَّنين بطريقة غير معتادة في وجه انتشار الديموقراطية. فمن أصل 22 بلداً في الجامعة العربية (ومن المتعارف عليه أن العديد منها ليس عربياً في الواقع)، تستطيع ثلاثة بلدان فقط أن تقول إنها ديموقراطيات حقيقية، مع العلم بأنها تعاني أيضاً من شوائب.


فالعراق، وعلى الرغم من حمامات الدماء المستمرّة، نأى بنفسه على ما يبدو عن حكم الحزب الواحد، لكنّه يفتقر إلى التوافق بين المذاهب، والمؤسّسات التي تعمل كما يجب. ويملك لبنان مجتمعاً منفتحاً وتعدّدياً، ولو كان مقسَّماً ويسوده الاستقطاب بين المذاهب وداخلها، ويخضع للسيطرة الإقطاعية للعائلات النافذة. وانتخب الفلسطينيون هيئة تشريعية في انتخابات حرّة عام 2006، بيد أن الفريق الفائز مُنِع من ممارسة السلطة في كامل الأراضي المنقسمة.
يملك كل بلد عربي الآن شكلاً من أشكال الهيئات التشريعية التمثيلية، ولو كانت صلاحيات معظمها ضئيلة، وكان بعضها يُعيَّن من الملك كما في السعودية.


تتيح بعض هذه الأوتوقراطيات تعدّدية أكبر من سواها. فعلى سبيل المثال، عمد المغرب إلى توسيع مساحة النقاش فيه. وتملك بلدان أخرى مثل الكويت برلماناً منتخَباً من الشعب مباشرة، لكن غالباً ما تتولّى العائلة الحاكمة التي تبقى صاحبة السيطرة الفعلية، إدارة شبه الشلل الذي يقع على مستوى السلطة التشريعية بعد الانتخابات. يسعى العديد من الممالك الخليجية الأصغر إلى منح شعبه تدريجاً قدرة أكبر على التعبير عن رأيه. لكن إذا خرجت الاندفاعة الديموقراطية عن طورها، يلجأ الملوك حكماً إلى كبح فرامل الديموقراطية خوفاً من أن يطيحهم شعبهم ذات يوم في حال منحه خياراً حقيقياً.


تتصرّف الدول العربية، سواء كانت ممالك أو جمهوريات، بالطريقة نفسها إلى حد كبير. يقول لاري دياموند، وهو أستاذ في جامعة ستانفورد في كاليفورنيا وخبير في الدمقرطة، إن الجامعة العربية أصبحت فعلياً نادياً للأوتوقراطيين. حتى في البلدان التي فُرِضت فيها إصلاحات ديموقراطية، يبدو مسار هذه الإصلاحات دائرياً وليس خطّياً. قد تتيح البلدان المجال أمام مزيد من المعارضة وتتبنّى ممارسات مثل الانتخابات، إنما عادةً من أجل المظاهر الخادعة وترك الناس ينفّسون قليلاً عن غضبهم، ولا يلبث أن ينتهي هذا كله ما إن يشعر الحكّام الأوتوقراطيون بأنهم مهدَّدون.


وخير مثال على ذلك الانتخابات المصرية الأخيرة المشوبة بالعيوب والمخالفات والتي أدّت إلى زيادة الغالبية التي يملكها الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم في مجلس الشعب من 75 إلى 95 في المئة في جولة الاقتراع الأولى. علّق كاتب عمود في صحيفة "الأخبار" اللبنانية بعبارات لاذعة أنّ التقدّم الوحيد الذي شهدته العملية الانتخابية هو ارتفاع سعر صوت الناخب المصري من 20 جنيهاً مصرياً [3.50 دولارات] إلى بضع مئات الجنيهات.


لطالما كانت أسباب هذا العجز الديموقراطي موضع نقاش. يشير البعض إلى عامل الإسلام، وآخرون إلى الطبيعة القبلية والأبوية للمجتمعات العربية. والسبب الآخر الذي غالباً ما تتم الإشارة إليه هو اعتماد معظم الدول العربية على العائدات النفطية وليس على الضرائب التي يسدّدها المواطنون بكامل رضاهم.


يلقي البعض اللوم على تأثير التاريخ. فبلدان عربية كثيرة هي كيانات سياسية اصطناعية أنشأها إمبرياليون أوروبيون، وركّزت طاقاتها بالضرورة على بناء الدولة بدلاً من تشجيع المواطنين على المشاركة. ويشير آخرون إلى الجيوبوليتيك، فيعتبرون – من جملة أمور أخرى – أن الحكّام العرب يستعملون نزاعهم الذي لا ينتهي مع إسرائيل لتبرير القمع في الداخل. ويتمسّك سواهم بمقولة أن القوى الغربية، ولا سيما أميركا، تدعم الديكتاتوريات العربية من أجل ضمان استمرار تدفّق النفط.


تنطوي كل هذه الحجج على شيء من الواقع، لكن يجب التمعّن فيها جيداً. فقد أظهرت استطلاعات آراء كثيرة أن العرب يبدون أضنّاء بفكرة الديموقراطية. لكن السؤال هو، ما هو مفهوم الديموقراطية في منطقة لا تملك أمثلة كثيرة عنها؟ فقد سبق أن وصف الرئيس المصري، حسني مبارك، الجيش المصري بأنه مثال عن الديموقراطية، على أساس أن القائد العسكري يزن آراء ضبّاطه قبل اتخاذ قراره. بحسب هذا التعريف، قد يستحقّ حزبه الاسم الذي يُعرَف به.


أما الإسلام كأيديولوجيا فقد لا يكون عاملاً حقيقياً في هذا الإطار. فعلى الرغم من أن بعض مذاهب الإيمان، مثل السلفية، ترفض "حكم الإنسان" وتالياً الديموقراطية على اعتبار أنها لا تتلاءم مع "حكم الله"، هناك عدد لا بأس به من الدول العربية غير الإسلامية، مثل تركيا وأندونيسيا وماليزيا، التي تُعتبَر ديموقراطية إلى حد كبير. إلا أن الالتباس المستمر حول العلاقة المناسبة بين الدين والدولة يولّد خلافاً حول حجم المساحة التي يجب إتاحتها للنقاش.


يفضّل عرب كثر ذوو ميول ليبرالية، مثلاً، الحكم السلطوي في سرّهم على النوعية المجهولة لدولة إسلامية يُفترَض بأنها ديموقراطية، وهذه الدولة هي ما يتمنّاه 40 إلى 45 في المئة من الناس في أربعة بلدان عربية كما جاء في مقال أخير بقلم دياموند الذي يلفت إلى أن أميركا اللاتينية التي أصبحت ديموقراطية في الآونة الأخيرة واجهت أيضاً عراقيل بسبب المخاوف التي ساورت نخبة الأيديولوجيات الثورية اليسارية. على النقيض، يقول شادي حامد من مؤسسة بروكينغز التي تعنى بالدراسات والأبحاث في واشنطن، إن الإخوان المسلمين الذين هُزِموا في الانتخابات المصرية الزائفة، فشلوا في أن يكونوا عامل تغيير. فهو يعلّق أنهم واثقون جداً من أن الله والتاريخ إلى جانبهم إلى درجة أنهم أصبحوا قانعين بأنفسهم.


قياس التأثير المؤذي للنفط إلى جانب أشكال أخرى من الريع مثل المساعدات الخارجية، أسهل. فحتى الدول النفطية غير العربية مثل أنغولا أو روسيا أو فنزويلا تبدو هشّة أمام حكم الرجل القوي. وليس السبب فقط أن الإيرادات النفطية تحرّر الدول من الحاجة إلى المساومة مع مواطنيها. بل السبب أيضاً هو أن أي انتقال للسلطة يعني أن الحكّام يخسرون على الفور الغنيمة بكاملها، مما يجعلهم أكثر حرصاً على التمسّك بها. تصبح السياسة لعبة إما تربح فيها كل شيء أو تخسر كل شيء.


لكن قد يكون العامل الأكبر هو أن العادة هي التي تعزّز حتى الآن مهارة الأوتوقراطيين العرب في الاحتفاظ بمقاعدهم. فقد تعوّد معظم الناس على الحكم السلطوي الذي بات بالنسبة إليهم واقعاً من وقائع الحياة. اشتكى قروي في محافظة الفيوم المصرية في الانتخابات الأخيرة من العدد الكبير جداً من المرشحين الذين يتنافسون للانضمام إلى اللائحة الموالية للحكومة قائلاً "كانت الأمور أسهل بكثير قبل جيل عندما كنّا جميعاً نصوِّت للرجل نفسه".


 


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved