WED 1 - 4 - 2026
 
Date: May 1, 2012
Source: جريدة النهار اللبنانية
طرابلس ما بعد القذافي عاصمة لدولة وليدة
الحياة اليومية تتآلف مع بقاء السلاح والهشاشة السياسية

طرابلس – سوسن أبو ظهر
تكاد لا تجد مقعداً فارغاً في الطائرة المصرية المتجهة مساء من القاهرة إلى طرابلس. ليبيون وأجانب، صينيون وأوروبيون وعرب، الكل في طريقه إلى أرض الفرص الموعودة الجديدة التي احتجبت طويلاً عن الخارج بعدما اختزلها حاكمها السابق بشخصه.

 

حين تطأ تلك الأرض تستقبلك الابتسامات، إنها ليبيا ما بعد معمر القذافي الجاهدة إلى مصالحة العالم. لكنها لم تتخلص بعد من كل معالم نظامه، فمحو 42 سنة لا يتم بجرة قلم. العملة بعضها قديم والبعض حديث. ويسترعي الانتباه أن فئة الدينار من الأوراق النقدية المستخدمة سابقاً تحمل صورة لمعمر القذافي شاباً.


تنضم إلى جواز سفرك في مطار طرابلس العالمي الذي لا تجد فيه أي حضور مسلح، تأشيرة دخول ليبية تُعبأ باليد. تحمل الوثيقة اسم الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى، ولكن مع ختم المجلس الوطني الانتقالي. يُقال لك إن النظام السابق كان طبع "ملايين النسخ" من هذه النسخة، وأن الاسم الرسمي للبلاد لم يتحدد بعد. مع العلم أن الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس في 3 آب 2011 يفيد في مادته الـ35 أن كل إشارة إلى "الجماهيرية" يُقصد بها "ليبيا".


مرة جديدة تمر الحقائب عبر الكاشف الالكتروني، على رغم فحصها في وجهة الانطلاق. تستعد لمغادرة المبنى الأخضر العنابر، حامل لون العلم السابق للبلاد، فتشاهد العلم الليبي الجديد، علم الملكية، يتدلى من السقف، بكل الأحجام، وكذلك علمان مصريان، وعلم تونسي، وعلم الاستقلال السوري. إنها ليبيا الثورة تحتفي بثورات الربيع العربي.


فإلى الجداريات المؤرخة للتغيير في البلاد، تصادف على بعض الجدران شعار "يسقط (الرئيس السوري) بشار الأسد". وعلم الاستقلال السوري تراه أيضاً في إحدى زوايا ميدان الشهداء، الساحة الخضراء سابقاً التي تخلصت أرضها من الطلاء الأخضر. تسمع روايات كثيرة عن دعم ليبي للثورة السورية يتجاوز التعاطف المعنوي إلى الأسلحة والذخائر. كأن السلاح صار من يوميات الليبيين، فقطعه تنتشر في السيارات، وطلقات الرصاص التي تتوالى دقائق في الأجواء لا تعطل حركتي السيارات والمارة الكثيفة العاشرة مساء، بما يبدد كل الأفكار المسبقة عن هشاشة الوضع الأمني.
نشاهد "بوابة" (حاجزاً) لثوار من كتيبة طرابلس. إنهم من المنضمين إلى سلطة وزارة الداخلية التي صار 70 ألف ثوري تابعين لها. وقد أفاد مسؤول فيها الأسبوع الماضي أنهم "يتبعون الأوامر ويتقاضون رواتب. وهم يؤازرون الوزارة في مكافحة الجريمة وحماية المواقع الاستراتيجية والسفارات ومقار البعثات الديبلوماسية".


الواقفون على الحاجز يحملون بطاقات سمحوا لنا بالاطلاع عليها تثبت تمتعهم بـ"الشرعية". وهم أوقفوا بعض السيارات، وقال لنا سكان إنهم يريدون بقاءهم حتى لا تخرج الأمور عن السيطرة، فالسلاح رادع، تماماً كتوازن الرعب الذي تقيمه الأسلحة النووية في ترسانات الدول المتنافسة.


وغير بعيد من الحاجز سيارتان تابعتان للأمن الوطني والإدارة العامة للدوريات. أكد ضابط تحدثنا معه ان "العلاقة على أفضل ما يرام مع الثوار، هناك تنسيق وعمل مشترك. والأمن مستتب بالإجمال في المدينة".


وفي قلب ميدان الشهداء الذي أطل عليه القذافي في خطابه الأخير، تجلس نساء مع أولاد. ويلقي المسلحون المنصرفون التحية على المارة لإشعارهم بالأمان. وينظر المرء بدهشة إلى فتاة محجبة تمارس بمفردها رياضة التزحلق على زلاجة. تبدو لرشاقتها كأنها ترقص. ألم يلق القذافي هنا الخطاب المعروف تهكماً بـ"ارقصوا، امرحوا"؟
ولم يقتصر تغيير الأسماء على الساحة الخضراء سابقاً، فالكثير من الأماكن تخلص من تسميات ترتبط بالقذافي أو "الفاتح". حتى ميدان الجزائر تغير اسمه، وإن بصفة غير رسمية، إلى ميدان قطر. الشعور بالعرفان متساو بين هذه الدولة وحلف شمال الأطلسي.

 

كر وفر سياسيان

وإذ تشعر أن الشارع الليبي تطبعه الحماسة، يقول لك كثيرون ان إيقاع المجلس الوطني الانتقالي أبطأ من الثورة. وقد غرقت البلاد أياماً في سيل من الشائعات عن كواليس الوضع السياسي في البلاد، وخصوصاً ما إذا كان تبادل الانتقادات بين المجلس والحكومة تمهيدا لإرجاء انتخابات المؤتمر الوطني العام الذي يماثل المجلس التأسيسي في تونس.


صحيح أن رئيس المجلس مصطفى عبد الجليل حسم الجدل بإعلانه مساء الأحد أن المصلحة الوطنية العامة فوق كل اعتبار، وذلك يعني ابقاء الحكومة لئلا يتعطل استحقاق الانتخابات، فإن التعايش يبقى صعباً بين الطرفين الى حين استحقاق 19 حزيران. ذلك أن المجلس الوطني الانتقالي الذي كان مع مكتبه التنفيذي قبل سقوط النظام بمثابة سلطة حكومية رديفة، صار بعد نجاح الثورة سلطة تشريعية ذات رقابة على تلك التنفيذية. أي أنه مجلس رئاسي ونيابي في آن واحد. وعبد الجليل هو بمثابة رئيس للدولة وللبرلمان. ويقر مسؤول ملف العدل في المكتب التنفيذي السابق محمد العلاقي لـ"النهار" بأن هذا النظام الموقت هجين ويتسبب بتداخل في الصلاحيات.


وفي المقابل، يحرص عضو المجلس الوطني الانتقالي موسى الكوني على التأكيد أن "لا أزمة سياسية في ليبيا. وهذه أمور تحصل بين كل حكومة وبرلمان. نلوم الحكومة ونعذرها في الوقت نفسه، إذ ليس سهلاً جمع ملايين من قطع السلاح، مع العلم أن الأعراف تحكم البلاد حالياً، وهي بطبيعتها أقوى من القوانين".


وأعلن أنه ناقش مع عشرة من زملائه الاستقالة من المجلس "لإثبات أننا لسنا طلاب سلطة ولا نحتكرها، عن أن يتعاون الباقون مع الحكومة لإجراء الانتخابات، وكذلك لتسجيل عدم رضانا على أداء الحكومة ورئيسها (عبدالرحيم الكيب)". وأجاب بالنفي لدى سؤاله عما إذا كان عرض هذا الاقتراح على عبد الجليل، مشدداً على أن "الانتخابات ستجرى بكل تأكيد في وقتها".
أما عضو المجلس عن الزنتان حسن محمد القرج، فأكد أنه "لو كان ممكناً إيجاد بديل من الحكومة في الساعة نفسها التي نتحدث فيها، لغيّرناها".


ويرفض القرج، وهو من قدامى الثوار، ما يتردد عن سعي مناطق الجبل الغربي إلى حصص سياسية ما بعد الثورة، ويصف ذلك بانه "دسائس تغذيها عوامل قبلية ودولية". وإذ تسأله عن "الغنيمة" الكبرى، سيف الإسلام القذافي، يجيب بأنه "سُلم إلى (سلطة) الدولة في الزنتان، وقد حقق معه النائب العام. غير أن نقله إلى طرابلس غير مضمون والمدينة غير آمنة بالنسبة إليه، وقد يُقتل على أيدي بعض أشباه الثوار. بعض المسلحين يتجرأون على دخول أي مكان هنا، وقد حاولوا خطف مسؤولين". لكن المحاكمة ستتم في طرابلس؟ يجيب: "نعم، ولكن ليس بعد. وهل علينا تحمل خسائر بشرية جديدة لضمان بقاء سيف حياً لو نقلناه إلى هنا؟ نحن نحترم حقوق الإنسان. نرد على الرجل في الميدان ولا ندوسه بأرجلنا حين يسقط. كان معمر بقي حياً معنا لو وقع في أيدينا". ويفيد أن الثوار غير مسؤولين عن الإصابة في اصبعي سيف الإسلام...


وإذ تستعيد طرابلس زحامها وحياتها من دون حُكم باب العزيزية، تبدو الانتخابات خطوة إضافية ضرورية في طبيعة الثورات. فهل يصمد التعايش الهش في الحكومة والمجلس الى ان يبصر الاستحقاق النور في بلاد سقط فيها النظام برمته مع رأسه؟ وهل تحمل الصناديق مفاجآت إسلامية كما في القاهرة وتونس، ام من "الطحالب"، وهو التعبير المستخدم هنا لمن يسمون في مصر "الفلول" ويُقصد بهم بقايا الحكم السابق والمنتفعون منه؟



 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Related News
Down but not out, Haftar still looms over Libya peace process
Turkey's Erdogan meets with head of Libya's UN-recognized govt
Media watchdog urges Libyan gov't to release reporter
Key Libyan interior minister suspended amid protests
Russia and Turkey agree to push for Libya ceasefire, says Moscow
Related Articles
Divisions over Libya are now spreading across the Mediterranean
Erdogan wades into Libya quagmire
It’s time to tackle inequality from the middle
Haftar’s rebranded Libya coups
Russia’s mediation goals in Libya
Copyright 2026 . All rights reserved