بعد ثلاثة أيام، يبدأ الناخبون المصريون التصويت في الدورة الاولى من انتخابات تاريخية لاختيار رئيس جديد للدولة بعد إطاحة الرئيس حسني مبارك في شباط 2011. تبدو الانتخابات الرئاسية المصرية بالغة الاهمية لتحديد الوجهة التي ستسلكها البلاد بعد حملة انتخابية هيمن عليها الاسلاميون الفائزون في الانتخابات التشريعية ومرشحون يتحدرون من النظام المخلوع ويسعون الى تجسيد عودة الاستقرار.
وشكلت التعددية السياسية وحيوية النقاشات قطيعة مع تلك الانتخابات المعروفة النتائج سلفا في ظل النظام السابق، لكن الاجواء طبعتها أيضا ازمة اقتصادية حادة وتصاعد في حال انعدام الامن. وكانت مصر أكبر البلدان العربية لجهة عدد السكان (82 مليون نسمة)، بعد تونس، البلد الثاني في المنطقة يطاح رئيسه تحت ضغط ثورة شعبية.
ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة مصطفى كمال السيد أن "هذه الانتخابات هي بالتأكيد الحدث السياسي الاكثر أهمية بالنسبة الى مصر منذ الثورة" في كانون الثاني 2011. وبين المرشحين الذين يعتبرون الاوفر حظاً، الامين العام السابق لجامعة الدول العربية وزير الخارجية في عهد مبارك عمرو موسى، وآخر رئيس للوزراء في عهد مبارك احمد شفيق، والاسلامي المعتدل عبد المنعم ابو الفتوح، ومرشح جماعة "الاخوان المسلمين" محمود مرسي.
شفيق وموسى وأظهر استطلاع للرأي اجراه "مركز معلومات دعم واتخاذ القرار" التابع لمجلس الوزراء تصدّر شفيق للاسبوع الثاني على التوالي بنسبة 12 في المئة يليه موسى بفارق بسيط مع 11 في المئة . وركز موسى وشفيق حملتيهما على الخبرة وعودة الاستقرار، وناقشا التمايز عن مبارك الذي يتوقع أن يصدر الحكم عليه في الثاني من حزيران، لكنهما تعرضا باستمرار لانتقادات باعتبارهما من "فلول" النظام السابق.
ويعد أبو الفتوح باسلام معتدل، إلا ان عليه التعويل على تحالف غير متجانس يضم متشددين سلفيين وناشطين شباباً مؤيدين للديموقراطية والعلمانية. ويحظى مرسي بدعم قوى من جماعة "الاخوان المسلمين"، لكن البعض يبدي قلقه من رؤية الجماعة تهيمن على الرئاسة بعدما استأثرت بمجلس الشعب. وثمة مرشحون آخرون يملكون وسائل اقل، لكنهم يأملون في تحقيق نتيجة مشرفة، بينهم خصوصاً حمدين صباحي (اليسار الناصري) والاسلامي سليم العوا والشاب الناشط في مجال الحقوق الاجتماعية خالد علي.
وليس بين المرشحين الـ 12 للانتخابات الرئاسية المصرية اي ممثل للاقباط الذين يمثلون ما بين 6 و10 في المئة من السكان، ولا اية امرأة.
ولم تقدم حركة "شباب الثورة" التي اطلقت شرارة الاحتجاج ضد مبارك، مرشحاً خاصاً بها، ولا تتفق على تأييد مرشح وحيد. وإذا لم يحصل أي مرشح على الغالبية المطلقة من الدورة الاولى، تنظم دورة ثانية للانتخابات الرئاسية يومي 16 حزيران و17 منه. ووعد الجيش الذي يحكم البلاد منذ اطاحة مبارك، بنقل الحكم الى المدنيين قبل نهاية حزيران بعد انتخاب رئيس جديد. وغطت شوارع مصر منذ اسابيع الملصقات واللافتات الانتخابية، في حين يذرع المرشحون بلا كلل البلاد طولا وعرضا من سهول دلتا النيل الى نجوع الصعيد.
وتابع المصريون المناظرة التلفزيونية الاولى في تاريخ الانتخابات الرئاسية بين موسى وعبد المنعم عبد الفتوح. وقال صابر محمد الذي شاهد المناظرة في مقهى شعبي: "انها تجربة جديدة تماما علينا. رؤية شخصيتين تسعيان الى اقناعنا بالتصويت لهما، لم يكن أحد يتصور هذا قبل سنتين". وشهدت الحملة الانتخابية تقلبات اعطتها احيانا طابعاً فوضوياً واحياناً أخرى عنيفاً.
ورفضت اللجنة الانتخابية عشرة مرشحين لاسباب تقنية او قانونية. وبين هؤلاء الرئيس السابق للمخابرات المصرية اللواء عمر سليمان والمرشح الاساسي لـ"الاخوان المسلمين" خيرت الشاطر وسلفي حقق اختراقا مفاجئا بين الرأي العام هو حازم ابو اسماعيل.
وأوقعت مواجهات عنيفة مطلع أيار بين انصار ابو اسماعيل ومدنيين، تلتها صدامات مع الجيش في محيط وزارة الدفاع في القاهرة، ما بين عشرة الى عشرين قتيلا . وينتظر ان ينهي انسحاب الجيش مع انتخاب رئيس جديد، فترة انتقالية مضطربة في اشراف المجلس الاعلى للقوات المسلحة برئاسة المشير محمد حسين طنطاوي. غير ان الوزن السياسي والاقتصادي المهم للجيش المصري من شأنه ان يتيح له الاستمرار في التأثير على حياة البلاد. وفي غياب دستور، تبقى سلطات الرئيس المقبل غير دقيقة، علماً أن الدستور السابق علّق، ولم يبدأ صوغ الدستور الجديد. |