|
القاهرة - أمينة خيري
يستيقظ المصريون اليوم على أصوات السكينة والهدوء والصمت الانتخابي، أو هكذا يُفترض. أسابيع صاخبة من الصراخ والصياح والصراع أصابت الملايين بتوتر بالغ وكهربت أثير البرامج التلفزيونية والفضاء الإلكتروني والملتقيات الاجتماعية، حتى أصبحت الحاجة إلى لعبة «شد الكُبس» ضرورة. لعبة «شد الكبس» التي لا تخلو منها مدرسة ابتدائية أو حارة جانبية في أرجاء المحروسة، باتت حتمية، وقواعد اللعبة تحتم على اللاعبين التوقف فوراً عن الركض في اللحظة الحاسمة التي يوشك أحدهم على لمسه، فيصرخ «كهربااا» ويتجمد تماماً عن الحركة. ودخل المصريون منذ منتصف ليل أمس مرحلة التجمد، المعروفة سياسياً بـ «فترة الصمت الانتخابي»، بعدما أنهك الجميع تماماً، فركضت الملايين ركضاً تلفزيونياً عاتياً بين مئات الساعات من برامج «التوك شو» الهادفة إلى أن «تفكر» مصر و «تقرر» و «تنتخب» الرئيس الأصلح، وإن كان الصلاح يتفاوت وفق ملكية القنوات وانتماءات المذيعين وأولويات تخليص الحسابات. وهرول الناخبون هرولة شديدة بين الحملات التي ظلت تجوب أرجاء مصر بباصات مكشوفة لمرشحين ليبراليين وأشباه ليبراليين، وأجولة بطاطا وأكياس سكر وقمصان لآخرين إسلاميين، وجميعها مخلوط بخطب عصماء ووعود خضراء وسلاسل بشرية ترفع الشعارات التي كتبها الشعراء. وبحسب قانون الانتخابات، فإن الجميع مجبر على التزام الصمت التام في ما يختص بالانتخابات الرئاسية ومرشحيها وبرامجهم ووعودهم وحملاتهم وأجولة البطاطا الخاصة بهم، وإلا فإن من يخرق هذا الصمت يعرِّض نفسه للمحاسبة. لكن الخصوصية الفريدة التي تتمتع بها مصر ويتفرد بها شعبها قادرة على تحويل قاعدة «الصمت» من قانون صارم لا يحتمل التأويل إلى مسألة نسبية مطاطية فلسفية تحتمل الصمت وتستدعي الصراخ. وبداية غيث الصمت الانتخابي قطرة صياح، فأحد رموز «الجبهة السلفية» التي تدعم مرشح «الإخوان المسلمين» محمد مرسي، نبه الجميع إلى بدء فترة الصمت الانتخابي، داعياً «داعمي مرشحي الرئاسة الشرفاء الأحرار إلى أن يحولوا هذه الفترة إلى هجوم كاسح ضد الفلول (عمرو موسى وأحمد شفيق) لمدة يومين كاملين (هما فترة الصمت) لا هوادة فيهما». وقبل انطلاق مدفع الصمت الانتخابي، حوَّل الفضاء الإلكتروني الصمت المزمع إلى قضية خلافية نقاشية محتدمة. صحيح هناك من مستخدمي «تويتر» و «فايسبوك» من أعلن مبادرات صمت فردية اختيارية تحت شعارات ساخرة، مثل: «صباح الصمت الانتخابي» أو «أنا في صمت انتخابي لمدة نصف ساعة» أو «ياالله خلص الكلام. صمت انتخابي، صامتون، صامدون، غلبانون (جمع غلبان)» أو «أنا في صمت انتخابي منذ أحداث العباسية» أو «أمي من الأغلبية الصامتة حيث لا صوت انتخابياً لهم، بل صمت انتخابي فقط». لكن هناك أيضاً استمرارية لحوارات وسجالات ومعارك كلامية بين أنصار المرشحين وداعميهم لا تعترف بالصمت باعتباره قانوناً فعلياً لا سلطان له على الفضاء العنكبوتي. لكن الفضاء العام من شوارع وجدران وصدور بشرية في الشارع، يقف على قدم المساواة مع الفضاء الإلكتروني في إعلان الاستثناء من الصمت المفروض. واجهات المحلات وجدران المباني وخلفيات السيارات التي أشرقت عليها شمس اليوم، لن تعترف بيومي الصمت. ساعة صمت واحدة كفيلة بتحويل «تحدي» موسى إلى «مصر (أبو الفتوح) القوية»، ونصف ساعة أخرى تفسح الطريق أمام عفاريت الغرافيتي لتكليل وجه شفيق بعلامة «إكس» ضخمة. وربع ساعة تكفي لتذييل ملصق مرسي ووعد جماعته على خلفية السيارة الأجرة بأن «النهضة إرادة شعب» بعبارة تدعو صاحب السيارة إلى عدم الاعتماد على «الاستبن» (الإطار الاحتياطي) لأن فترة ضمانه لا تتعدى 3 سنوات، في حين أن الإطار الأصلي يستطيع إكمال أربع سنوات، أي فترة رئاسية كاملة، من دون مشاكل تذكر. المؤكد أن ساعات الصمت الانتخابي القانوني على أثير التلفزيون سيواكبها عمل دعائي دؤوب وحراك رئاسي شديد في الشارعين الفعلي والافترضي من النوع الزئبقي الذي يصعب إثباته. ولأن ملصقات المرشحين التي يرفعها داعموهم يسهل إثباتها، فقد لجأ أحد الذين فاض بهم كيل الفترة الانتقالية والدعاية الرئاسية الانتقامية إلى لافتة ضخمة وضعها على سيارته وكتب عليها: «ميدو» (حمدين صباحي) أو «عبده» (عبدالمنعم أبو الفتوح) أو «حمادة» (محمد مرسي)... المهم نخلص».
|