|
محمد نمر
ماذا بعد؟ سؤال شغل الرأي العام العربي والدولي حيال الأزمة السورية التي طال عمرها أمام مثيلاتها من الربيع العربي، ولعل المجزرة التي حصلت منذ أيام في الحولة بمحافظة حمص قلبت موازين خطة المبعوث الخاص المشترك للامم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سوريا كوفي أنان، إذ طالب "المجلس الوطني السوري" المعارض على أثرها المجتمع الدولي بالتدخل الفوري تحت البند السابع. وأمام ما سبق وصرّح به رئيس بعثة المراقبين الدوليين الميجر جنرال روبرت مود من أن فريقه عاجز عن وقف العنف في سوريا ومراقبة قراها ومدنها كافة، تبقى خطة أنان أمام الرهان والخوف من الوصول إلى حفرة تقسيم سوريا وانطلاق الحرب الأهلية.
وعشية لقاء أنان اليوم الرئيس السوري بشار الاسد، أجرت "النهار" مقابلة مع عضو المكتب التنفيذي في "المجلس الوطني السوري" جورج صبرا تناولت فيها أهم مستجدات الثورة السورية ومواقف المجلس ازاء الحكومة اللبنانية و"حزب الله"، فرأى صبرا أن "ما يجري في سوريا ليس حرباً أهلية، ولا نعتقد أنها ستنجر إلى ذلك"، مشدداً على أن "النظام السوري يعمل ما بوسعه منذ الأيام الأولى للثورة إلى جر البلاد إلى الحرب الأهلية أو ما يشبهها، لكن السوريين مصممون على تجنب هذا المنزلق الخطير، لأنهم يعرفون جيداً ماذا فعلت الحرب في كل من لبنان والعراق". ووصف"الصراع العسكري الدائر بين أجهزة السلطة الأمنية والعسكرية وبين "الجيش السوري الحر"، بصراع بين قوتين مسلحتين أفرزته حماقات النظام وعنفه الدموي المنفلت".
الأسد أو لا أحد
واعتبر صبرا ان شعارات من مثل "الأسد أو لا أحد" "الأسد أو نحرق البلد" التي يكتبها "أزلام النظام وشبيحته"، "تشير إلى تقسيم سوريا الوارد حصوله إذا استمرّ النظام القائم مدة أطول مع إجراءاته القمعية المتوحشة، والخواء السياسي الذي يترك البلاد فيه، ونهجه الفئوي التحريضي"، مؤكداً أن "المعارضة متفقة تماماً على سوريا المستقبل".
ولاحظ ان "سوريا تعيش اليوم على نبضات اصطناعية من فعل أصحاب القبعات الزرق الذين يشكلون محور خطة أنان، إذ كشف أن "النظام السوري يخفي العربات المدرعة في الأزقة الضيقة ويغطيها بوسائل تمويه، ويبدل الطواقم العسكرية بأخرى ترتدي ملابس رجال شرطة وتنتحل صفتهم ومهامهم"، متهماً النظام بـ"التحايل على تنفيذ مندرجات الخطة الستة". وذكّر بأن "الوقائع اليومية وتقارير المراقبين ومنظمات حقوق الإنسان ترصد بالصوت والصورة الانتهاكات الفظيعة في حق الشعب وتقتل مبادرة أنان".
الموقف الروسي
ورأى أن "النظام لم ولن يلتزم خطة أنان، لأنها ببساطة تحمل نهايته السريعة"، متسائلاً: "هل يمكن احدا أن يتخيل حجم الجموع التي ستخرج في التظاهرات عندما يتوقف قتل الناس وإطلاق النار عليهم ليوم واحد؟". وطالب "المجتمع الدولي ومجلس الأمن على وجه الخصوص أن يفكر بالخطوة المقبلة، وعلى السياسة الروسية التي دعمت الخطة وتستمر في حماية النظام ودعمه عبر الفيتو في مجلس الأمن أن تجيب على السؤال الصعب: وماذا بعد؟".
واكد انه "آن الأوان للمجتمع الدولي ومجلس الأمن أن يصلا إلى الاستنتاج الصحيح وهو أن النظام السوري لا يفهم إلا لغة القوة، واعتبر أن الشعب السوري وثورته يستحقان الحماية والدعم أكثر بكثير مما يقدم لهما اليوم، وإلا فليقم بهذه المهمة حلف عربي ودولي، ونرى أنه لن يعدم الوسيلة التي يمكن أن تحقق ذلك"، مضيفاً: "يتساءل السوريون ومعهم الأحرار في العالم ما معنى البند السابع في مجلس الأمن إن لم يستخدم اليوم في الحالة السورية؟"
الأقليات في سوريا
في اجتماع وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلنتون مع وفد المجلس في جنيف انتقدت بشدة عدم تمثيل المجلس الأقليات في القيادة، وعلى ذلك يرد صبرا أن "كل مكونات الشعب السوري ممثلة في المجلس"، واعتبر أن "إلحاح الغرب على موضوع الأقليات بدا للكثيرين مفتعلاً ومبالغاً فيه، وكأنه يريد لها أن تحكم البلد أو تتحكم به، في الوقت الذي تعاني البلاد من تحكم أقلوي أوصلها إلى ما وصلت إليه اليوم". وشدد على أن "المطلوب هو نظام دستوري مدني يقوم على مبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات". وقال: "أنا سوري في المقام الأول ومسيحي أيضاً ليس لديه شعور الأقلية، والمسيحيون في سوريا على وجه الخصوص لم يكونوا يوماً إلا سوريين حقاً ووطنيين قولاً وفعلاً، مندمجين مع مجتمعهم وحياة شعبهم إلى حد التماهي".
وردا على استغراب البعض ان عدد أعضاء "المجلس الوطني" يفوق عدد أعضاء مجلس الشعب السوري، قال ان الأمر يعود إلى "إحدى نتائج الاستبداد المديد الذي جثم على صدر البلاد وحرَّم السياسة، بل جرَّمها خلال نصف قرن، وأفقد السوريين كثيراً من لياقتهم السياسية، ولأنه خلال هذه الفترة كان عليك أن تختار مكاناً من اثنين إن كنت تريد أن تعمل بالسياسة، وفي المعارضة حصراً، إما أن تترك البلد وتهاجر وإما أن تمضي إلى السجن لتقضي فيه نصف عمرك، وفي الحالتين قصور عن ممارسة السياسة بمفهومها الأرقى". وأضاف: "نحن كمعارضين سوريين نتعرف بعضنا الى بعض اليوم، ونبدأ باستخدام مهاراتنا الطبيعية من دون أي صقل من دراسة أو تجربة، ننجح حيناً ونخفق أحياناً، وما يفضحنا دائماً هو عمق هذه الثورة وأصالتها وحجم الوعي والقدرة على التضحية الذي يميز شبابها، فنبدو دوما في الخلف، نحاول اللحاق بها لنكون على مستواها، ويا للأسف لا نستطيع".
لا خوف من الحكم الإسلامي
نتائج بعض ثورات الربيع العربي في المنطقة أثارت المخاوف لدى الرأي العام المحلي والدولي من تولي الجماعات الإسلامية الحكم، خصوصاً لوجودها الأساسي ضمن أعضاء "المجلس الوطني السوري"، لكن في رأي صبرا أن "لا خوف عندنا من نشوء دولة دينية أصولية، وما يدعونا إلى الاطمئنان أكثر أن الإسلام السياسي في بلادنا قائم على الاعتدال والوسطية منذ نشوئه، ويتسم بالتواصل مع - والانفتاح على - بقية تيارات المجتمع وفئاته ومكوناته"، مشدداً على أن "الثورة التي قامت بهذا العزم والعزيمة على الدولة الشمولية الاستبدادية، لن تسمح بنشوء شمولية جديدة واستبداد آخر كائناً ما كان غطاؤه السياسي والأيديولوجي".
الوضع اللبناني
وبالانتقال إلى الوضع اللبناني، وعن صحة وجود "الجيش الحر" في لبنان، تساءل صبرا: "هل للجيش السوري الحر فائض عدد أو قوة ليخرج بهما إلى البلدان المجاورة أو يقيم بهما هناك، وما حاجة الجيش الحر للأراضي اللبنانية؟ فالأراضي السورية شاسعة، ومسؤوليات الجيش الحر داخل سوريا ومهماته تنحصر بحماية المدن والقرى والبلدات الثائرة والدفاع عن المتظاهرين لتأمين استمرار سلمية الثورة"، مؤكداً أن "السوريين الذين هجّروا من بيوتهم واضطروا لمغادرة سوريا إلى البلدان المجاورة مواطنون عزل، خرجوا يطلبون الأمان لأطفالهم وعائلاتهم". وشكر "إخوتنا في لبنان أشخاصاً وأسراً ومنظمات خيرية وإنسانية على الدور الذي يقومون به للتخفيف من معاناة السوريين الفارين من وجه العنف الأعمى والموت المجاني الذي توزعه حكومتهم على شعبها".
حكومة ميقاتي مقصرة
ووسط رفض البعض سياسة الحكومة اللبنانية حيال الأزمة وتقصيرها في مساعدة النازحين السوريين، تفهم صبرا "ظروف الحكومة اللبنانية التي تحكم موقفها وتحركاتها في هذا الاتجاه، لكننا لا نعذر أي تقصير بالواجبات الأخوية والإنسانية المطلوبة، ويأتي واجب حماية المهجّرين السوريين في لبنان على رأس واجبات الحكومة اللبنانية المطلوبة، كائناً ما كان موقفها السياسي من النظام"، مضيفاً: "للثورة السورية أشياء كثيرة تقولها بهذا الصدد، لكن عزاءنا أن الشعب اللبناني يغطي تقصير حكومته وقصورها بتعاطفه الظاهر واهتمامه بإغاثة ضيوفه من السوريين كما يليق بين الإخوة والجيران".
وتطرق إلى موقف "حزب الله" من الثورة، معربا عن اعتقاده أن سياسة الحزب حيال الثورة ومواقفه "أفقدته الكثير الكثير، وببساطة لقد خسر سوريا"، وقال: "كنا نتفهم علاقة الحزب الوطيدة مع النظام وأسبابها ومقتضياتها، لكن السوريين لن يتفهموا موقفه العدائي من الثورة، ولن يقبلوا التدخلات السافرة ضد طموحات الشعب السوري بالحرية والكرامة، كنا نتمنى عليه أن يلتزم الصمت على الأقل، فسوريا وشعبها هما الدائمان والنظام إلى زوال"،مشدداً على أنه "من حق الثورة ألا تضع في سلة واحدة من وقف معها ودعمها ومن كان ظهيراً لنظام القتل والإجرام الذي ينكل بها، وكما لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، كذلك لن يستوي المناصرون والمعادون في ميزان الثورة".
التسلح حق لنا
وعن الضجة التي أثارتها سفينة الأسلحة "لطف الله – 2"، لفت إلى أن "هناك بعض الأدلة والمؤشرات على أن شحنة السلاح التي ضبطت كانت عملية مرتبة أمنياً من قبل النظام السوري واستطالته في لبنان، والغرض منها دعم توجهات النظام وأغراضه الدعائية والإعلامية بالتوافق مع عمليات التفجير الإرهابية العشوائية التي حصلت في بعض المدن السورية ومنها دمشق". وأشار إلى أن "ليس سراً أن الجيش السوري الحر يحرص على التزود بالسلاح، وهذا حق له، وليس بالسر أيضاً أن المجلس الوطني السوري يدعم هذا الجيش"، متسائلاً: "ماذا ينتظر العالم من السوريين عندما يتخلى عنهم ويخذل ثورتهم، ويجلس متفرجاً على الجرائم ضد الإنسانية التي تجري يومياً بل في كل ساعة في سوريا منذ خمسة عشر شهراً؟".
ولم يبد صبرا خوفه في شأن البديل عن الرئيس بشار الأسد، مؤكداً أن "السوريين سيرشحون من هو أهل للمهمة، وستوجد العشرات من الشخصيات اللائقة والمؤهلة لهذا المنصب، تتنافس على موقع الرئاسة". وختم قائلاً: "لن يطول زمن السقوط المنتظر . لقد انتهى النظام ، ولم يبق إلا ترتيب مراسيم التشييع وموعد الدفن، وهناك عوامل عدة تعمل على تأخيره، يأتي في صلبها الموقف الدولي".
|