|
بعد أقل من سنة ونصف سنة من "ثورة 25 يناير" التي اطاحت نظام الرئيس السابق حسني مبارك، شهدت مصر أمس ما يشبه انقلاباً سياسياً اسقط اهم ما تحقق في الفترة الانتقالية المضطربة التي تشهدها البلاد، وذلك بحل المحكمة الدستورية العليا مجلس الشعب الذي انتخب اواخر 2011 ومطلع 2012، واعادتها السلطة التشريعية عمليا الى المجلس الاعلى للقوات المسلحة الحاكم، الى تعزيزها موقع اركان النظام السابق بتأكيدها احقية المرشح احمد شفيق في خوض دورة الاعادة من الانتخابات الرئاسية المقررة السبت والاحد المقبلين.
ويشكل الحكم ضربة مزدوجة لجماعة "الاخوان المسلمين"، وبدا محاولة لاقصائها بعدما استأثرت بالغالبية في مجلس الشعب الاول ينتخب ديموقراطياً منذ عقود، وكانت تعد العدة لانتزاع الرئاسة الى ذلك، يزيد هذا الحكم الصراع على السلطة بين "الاخوان" والمجلس العسكري الذي كان يفترض ان يسلم رئيسا مدنيا السلطة بحلول اواخر حزيران، تفاقماً. وسارع قياديون بارزون في "الاخوان"، بينهم محمد البلتاجي، الى وصف الحكم بانه "انقلاب كامل الاركان يشطب أشرف ستة عشر شهراً في تاريخ هذا الوطن"، وتعهدوا حشد الشارع ضد الحكم وضد شفيق.
الا ان مرشح الجماعة للانتخابات الرئاسية محمد مرسي أكد احترامه حكم المحكمة الدستورية العليا وتعهد تنفيذها، قائلا: "احترم حكم المحكمة الدستورية العليا من منطلق احترامي لمؤسسات وسلطات الدولة ومبدأ الفصل بين السلطات". واذ اشار الى انه "غير راض" عن الحكم بعدم دستورية قانون "العزل السياسي"، اكد ايضا انه "يحترمه" ويعتبره "واجب النفاذ".
وكان شفيق أول المرحبين بقرار المكمة الدستورية العليا الذي اتاح له الاستمرار في سباق الرئاسة، قائلا: "رسالة هذا الحكم التاريخي هي ان عصر تصفية الحسابات انتهى، كما ذهب بلا رجعة اسلوب تفصيل القوانين". واضاف ان المحكمة اكدت حقه في المشاركة في الانتخابات ودعمت شرعيتها.
ووسط أجواء من البلبلة سادت البلاد بعد صدور الحكم وتكاثر السيناريوات لما بعد قرار المحكمة الدستورية العليا وسط مخاوف من تفجر العنف، اعلن المجلس العسكري الحاكم مساء ان الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية ستجري في موعدها السبت والاحد.
في واشنطن، توقعت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون ان ينقل المجلس العسكري في مصر السلطة تماما الى حكومة مدنية منتخبة ديموقراطياً وفقا لما هو مخطط له.
تفاصيل
قضت المحكمة الدستورية العليا في مصر أمس بحل مجلس الشعب بسبب بطلان مواد في قانون الانتخابات النيابية، كما قضت بأحقية احمد شفيق في خوض الانتخابات الرئاسية، في حكمين هما مثابة انقلاب سياسي ويفتحان الافاق في مصر على احتمالات عدة. في تطور يعيد ترتيب الخريطة السياسية في مصر بعد سنة ونصف سنة من "ثورة 25 يناير"، حلت المحكمة الدستورية العليا في مصر مجلس الشعب الذي كان أول مجلس تشريعي يهيمن عليه الإسلاميون في البلاد، وسمحت لشفيق آخر رئيس للوزراء في عهد الرئيس السابق حسني مبارك بالاستمرار في المنافسة على منصب رئيس الدولة.
ويشكل الحكمان ضربة مزدوجة لجماعة "الاخوان المسلمين" التي قد تخسر المكتسبات السياسية التي حققتها منذ اطاحة مبارك، ومن شأنهما زيادة الصراع على السلطة بينها وبين المجلس الاعلى للقوات المسلحة الذي يحكم البلاد منذ 11 شباط 2011.
وكان مجلس الشعب وافق في نيسان على تعديل في قانون مباشرة الحقوق السياسية الذي عرف إعلامياً بقانون "العزل السياسي" قضى بحرمان مسؤولين كبار عملوا مع الرئيس السابق حقوقهم السياسية.
لكن المحكمة الدستورية العليا قالت في حكمها أمس إن التعديل غير قانوني لأن "النص المطعون عليه قد أخل بالمساواة ومايز بين أصحاب الوظائف بغير معيار موضوعي". وجاء في الأسباب أيضاً أن التعديل "رتب جزاء تمثل في حرمان الحقوق السياسية من دون حكم قضائي... السلطة التشريعية تدخلت في أعمال السلطة القضائية". ويواجه شفيق في دورة الإعادة رئيس حزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة "الإخوان المسلمين" محمد مرسي.
وقال رئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار فاروق سلطان إن الحكم الآخر الذي أصدرته المحكمة في شأن قانون انتخاب مجلس الشعب يتضمن حل مجلس الشعب الذي انتخب أواخر 2011 ومطلع 2012. وصرح لـ"رويترز" بإن "القانون الذي تمت الانتخابات بناء عليه مخالف لأحكام الدستور".
وجاء في الأسباب الموجبة أن "تكوين المجلس باطل بكامله منذ انتخابه... المجلس غير قائم بقوة القانون بعد الحكم بعدم دستورية انتخابه من دون حاجة إلى اتخاذ إجراء آخر". وكانت تقارير سابقة أشارت الى ان الحكم تضمن إبطال انتخاب ثلث الاعضاء فقط. وبعد الحكم، صار الباب مفتوحاً لإجراء انتخابات جديدة للمجلس الذي يعد 508 مقاعد. وجاء في الحكم أن "القوانين والإجراءات التي صدرت (عن المجلس) قبل الحكم صحيحة ونافذة".
وصرح المحامي شوقي السيد الذي ترافع عن شفيق أمام المحكمة بإن قانون العزل السياسي "بدعة في تاريخ التشريع المصري"، وأن مجلس الشعب قصد بالقانون حالة فردية تتمثل في شفيق لا شأناً عاماً.
وكان رئيس لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية في مجلس الشعب محمود الخضيري اعتبر خلال مناقشات المجلس قبل الموافقة على القانون أن من حق المجلس أن يحمي الثورة التي أطاحت مبارك مطلع العام الماضي حتى بقانون يصدر من أجل شخص. واشتبه القضاء الإداري في عدم دستورية قانون الانتخابات النيابية، كما اشتبهت لجنة الانتخابات الرئاسية في عدم دستورية قانون "العزل السياسي". ويثير هذان التحولان قلق المصريين قبل يومين من دورة الاعادة للانتخابات الرئاسية، ويدخلان البلاد في متاهة سياسية وقضائية جديدة.
المجلس العسكري
وعقب صدور الحكمين،أفادت مصادر عسكرية ان المجلس الاعلى للقوات المسلحة، الذي يتولى السلطة في مصر منذ تنحي مبارك، عقد جلسة طارئة للبحث في تداعيات حكم المحكمة الدستورية العليا. وتوقعت أن يعلن "استعادته السلطة التشريعية الى حين اجراء انتخابات تشريعية جديدة". وكان المجلس العسكري تولى السلطتين التشريعية والتنفيذية في البلاد فور تنحي مبارك، الا انه سلم مجلس الشعب السلطة التشريعية بعد انتخابه مطلع هذه السنة.
الثورة "انتهت"
واحيط مقر المحكمة الدستورية العليا في القاهرة باجراءات امنية مشددة منذ الصباح الباكر، وانتشرت في محيطه قوات كبيرة من الامن لحمايته ومنع اقتراب عشرات المتظاهرين الذين تجمعوا بالقرب منه وهتفوا "الشعب يريد عزل الفلول" و"يا شعب قول، مش عايزين فلول". وأفادت وكالة أنباء الشرق الأوسط "أ ش أ" المصرية أن أفراد هيئتي المحكمة اللتين نظرتا في القضيتين وصلوا إلى المبنى في حماية قوات من الجيش والشرطة. وبعد صدور الحكمين، صاح عجوز كان يقف قرب مبنى المحكمة: "الثورة انتهت". وبدأت وسائل الاعلام الاستعانة بخبراء قانونيين ومحللين لرسم سيناريوات ما بعد حكم المحكمة الدستورية وسط مخاوف من تفجر العنف.
ردود فعل
وتباينت ردود الفعل على قراري المحكمة الدستورية العليا. وقد سارع أحمد شفيق الى الترحيب بالحكم الذي أتاح له الاستمرار في سباق الرئاسة، قائلاً: "رسالة هذا الحكم التاريخي هي أن عصر تصفية الحسابات انتهى، كما ذهب بلا رجعة اسلوب تفصيل القوانين". واضاف أن المحكمة أكدت حقه في المشاركة في الانتخابات ودعمت شرعيتها.
وفي المقابل، رأى القيادي في حزب الحرية والعدالة محمد البلتاجي الذي كان حزبه يسيطر على أكثر من 40 في المئة من مقاعد مجلس الشعب ان "الأحكام الصادرة عن المحكمة الدستورية اليوم تأتي ضمن انقلاب كامل الأركان يشطب أشرف ستة عشر شهراً في تاريخ هذا الوطن". وقال إن "هذا الانقلاب بدأ ببراءة جميع مساعدي وضباط الداخلية (المتهمين بقتل المتظاهرين خلال الثورة على مبارك العام الماضي) ثم الازمة المصطنعة مع القضاء ثم اعطاء الضبطية القضائية للشرطة العسكرية والمخابرات الحربية ثم حل البرلمان المنتخب وفقا لقانون أصدره المجلس العسكري واعطاء خاتم المشروعية الدستورية لترشح شفيق قبل بدء الجولة الثانية بأقل من 48 ساعة والحديث عن تشكيل المجلس العسكري للجنة الدستور". وخلص الى ان "هذه هي مصر كما يريدها أحمد شفيق ومن وراءه".
وحذر نائب رئيس حزب الحرية والعدالة عصام العريان من أن مصر ستدخل "نفقا مظلما" إذا حل مجلس الشعب. وأبلغ "رويترز": "إذا حل مجلس الشعب، ستدخل البلاد في نفق مظلم والرئيس المقبل ليس أمامه لا برلمان ولا دستور... هناك حال من الارتباك وتساؤلات كثيرة". وتناول الناطق باسم "الإخوان "محمود غزلان أحقية شفيق في الترشح، قائلا إن الجماعة ستستمر في دورة الإعادة، وأن وجود شفيق في السباق صار واقعا، والجماعة ستتعامل معه على هذا الأساس. ووصف المرشح السابق للانتخابات الرئاسية في مصر عبد المنعم ابو الفتوح، الاسلامي المعتدل، قراري المحكمة الدستورية بأنهما "انقلاب كامل".
وقال في بيان إن "ابقاء مرشح المجلس العسكري واطاحة مجلس الشعب بعد منح الشرطة العسكرية سلطة الضبطية القضائية يعد انقلابا كاملا يتوهم من يتصور ان ملايين الشباب سيتركونه يمر". وقال حزب البناء والتنمية، الذراع السياسية لـ"الجماعة الاسلامية"، في بيان ان أحكام المحكمة "تؤكد أن المسار القانوني والسياسي كان ملغوماً منذ فترة طويلة، وقد اعدت هذه الالغام لاجهاض الثورة وإعادة النظام القديم". ودعا الحزب المصريين الى "الاحتجاج السلمي على هذا المخطط"، محذرا من "الوقوع في فخ العنف الذي سيكون سببا في إجهاض الثورة".
وحذر المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي في حسابه بموقع "تويتر" من ان "انتخاب رئيس في غياب دستور وبرلمان هو انتخاب رئيس له سلطات لم تعرفها اعتى النظم الديكتاتورية". واقترح واحدا من حلين، إما "التوافق علي مجلس رئاسي يشكل لجنة تأسيسية وحكومة انقاذ وطني ويشرف على انتخابات برلمانية ورئاسية بعد إقرار الدستور" واما "رئيس موقت مع حكومة انقاذ وطني يشكل لجنة توافقية لوضع الدستور ثم انتخابات برلمانية ورئاسية بعد إقرار الدستور".
|