|
تونس - ديانا سكيني على رغم تبلور مساحات مشتركة بين الموقف العربي وموقف موسكو من الملف السوري، فان دور الرئيس بشار الاسد في العملية الانتقالية لا يزال العقدة التي تعيد الخيارات الى مربعها الاول: الى الشارع الذي عليه ان يختار القبول بمعادلة الاصلاح بوجود الرئيس الاسد او من دونه. هذا ما يعبر عنه وزير الخارجية التونسي رفيق عبد السلام الذي اجرى محادثات "سورية" معمقة في موسكو قبل مؤتمر جنيف الاخير. من جهة اخرى، كشف عبدالسلام لـ"النهار" التي التقته مع وفد اعلامي لبناني زاره في تونس ان مؤتمر حركة النهضة الاسلامية المقبل سيحسم نهائياً عدم النص على الشريعة في الدستور كثابتة حزبية.
يصف الرئيس السابق لقسم البحوث في مركز الجزيرة للدراسات و"المعارض الاسلامي" الذي دفعه الاضطهاد السياسي في عهد زين العابدين بن علي الى ترك بلاده مطلع التسعينات، الاتهامات التي تَنسُب وصوله الى سدة وزارة الخارجية بعد الثورة الى مصاهرته لزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي بأنها "سهام تنال في كل اتجاه ممن يعمل في السياسة"، معيدا اختياره المنصب الى "البعد المؤسسي في حركة النهضة". في أية حال، سيُكتب للوزير الشاب (مواليد 1967) المساهمة في تدشين مشروع خط الجغرافيا السياسية والديبلوماسية الجديدة لتونس "الثائرة". خط شغلت الدول التي طاولتها شرارات "الربيع العربي" أولوياته، وإن بتفاوت. يصف عبد السلام دور تونس التي استضافت مؤتمر "أصدقاء الشعب السوري" سوريا الأول، بأنه "تأثير ناعم ذو سلطة معنوية مستمدة من نجاح ثورة بلاده السلمي".
قبل ساعات من مؤتمر جنيف الاخير، أجرى عبد السلام محادثات مطولة مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في موسكو. في الحصيلة تأكيدٌ لدور روسيا المحوري في عالم "لم يعد يحتكر القرار فيه طرف واحد"، وإقرارٌ بأن "لا حل في سوريا من دون الاتفاق مع روسيا والصين". يتحدث عن مساحات اتفاق مع الجانب الروسي أبرزها على وجوب حصول إصلاحات عميقة في سوريا، وعن مساحات اختلاف يتقدمها تباين الرؤى حول اعتبار الرئيس بشار الأسد جزءا من الحل السياسي من عدمه. يقول "حين نلج في التفاصيل مع الجانب الروسي نجد ان لديه استعداداً كاملاً للدفع بالإصلاحات السياسية والدستورية على ان تبقى معادلة الإصلاحات تحت مظلة بشار الاسد. في المقابل هناك إصرار في موقف المعارضة والموقف العربي الغالب، على أن تكون هناك إصلاحات جذرية وعميقة، وربما أن يمهد بشار الأسد لتسليم السلطة، لكن عملية الإصلاح يجب ان تتم من خارج منظومة بشار الاسد". ويضيف: "نحن جزء من رؤية الجامعة العربية في تفضيلنا الخيار اليمني، وفي أن يتم نقل سلس للسلطة إلى نائب الرئيس تدار خلاله انتخابات رئاسية وتشريعية". ويعرب عن "خشية من حرب أهلية سورية وعن تأثر الجوار السلبي بتطورات الداخل السوري".
ولكن ما هو الخيار المتاح في حال التشبث الروسي ببقاء الأسد واذا كان لا حل سياسيا من دونه؟ يجيب: "اذا قبل الشعب السوري حلا سياسيا ضمن معادلة قائمة مع بقاء الاسد، فسيجد الدعم العربي والدولي لموقفه".
من جهة اخرى، واذ يثني عبد السلام على الإصلاحات الدستورية في المغرب ويمر بايجابية على الانتخابات الجزائرية تاركا "للجزائريين حرية تقييمها"، يقول لـ"النهار" إن "بلاده لن تكون مفتوحة أمام المعارضتين الجزائرية والمغربية"، مضيفاً: "لا يهمنا من يحكم الجزائر، تعنينا علاقتنا الجيدة بها". ويرفض المقارنة بين "الدعم المدني التونسي للمعارضة السورية" ودعم أي معارضة عربية اخرى "فما يجري في سوريا ليس له مثيل".
وعن العلاقة بين تونس - الثورة ودولة قطر، يقول: "اتهمنا بأن لدينا انحيازاً خاصاً الى قطر والبعض يقول الى السعودية ايضا"... "قطر بلد صغير الحجم، البعض يخاف تدخلها في شؤوننا، ولكن لا خوف على السيادة التونسية من قطر أو من اقطار عربية، وإذا كان هناك من خوف فهو من دول اجنبية وليس عربية". وفي رأيه أن "قطر استفادت من حال الفراغ السياسي في الساحة العربية خصوصا مع تراجع الدورين المصري والسعودي وتمكنت من لعب دور في الساحة العربية وفي ما هو ابعد". على خط التوازن في القرار في الجامعة العربية، يتوقع عبد السلام ان يكون القرار السياسي في الجامعة العربية مستقبلاً أكثر تعبيراً عن حقيقة توازنات القوى ومصالحها في العالم العربي. ويضيف ردا على سؤال عن الوزن الخليجي السياسي في الجامعة: "لا شك في ان دول الخليج مؤثرة لاعتبارات كثيرة منها امتلاكها الطاقة، لكن هناك قوى لا يمكن الاستهانة بها، كمصر التي سيكون حضورها اقوى مستقبلا".
الإسلام السياسي
في الملف الداخلي التونسي، يتوقع أن تنجح بلاده في تقديم نموذجها الخاص في الاسلام السياسي "نموذج يبيّن أن لا تناقض بين الإسلام والحداثة والديموقراطية والحفاظ على الحريات الفردية في انماط العيش". ويؤكد حسم مسألة "الشريعة والدستور" في تونس نهائياً حيث "القرار الجامع هو التمسك بالفصل الاول من دستور العام 1959 الذي يحدد الهوية العامة للبلاد والاكتفاء بذكر ان تونس لغتها العربية ودينها الاسلام مع إمكان اضافة عبارة: ونظامها ديموقراطي".
ويكشف رداً على سؤال لـ"النهار" أن مؤتمر حركة النهضة المقبل سيؤكد حسم هذه المسألة نهائياً ذلك ان "خيارنا ألا ننصص على الشريعة" و"الا نحوّل مشهد الصراع في البلاد الى استقطاب ايديولوجي بين العلمانيين والاسلاميين".
وربطا يتوقع "أن يكون الاخوان المسلمون المصريون الذين وصلوا الى سدة الحكم، اكثر انفتاحا مستقبلا وان يتمتعوا بروح وفاقية"، كما يعرب عن اعتقاده ان "النموذج التونسي يمكن ان يتكرر في الساحة المصرية".
على صعيد التحديات الكبيرة التي تعيشها تجربة حكم "الترويكا" في تونس، يقول إن "صيغة الحكم القائمة بين معسكر الإسلاميين المعتدلين والعلمانيين المعتدلين هي أفضل الممكن في هذه المرحلة على رغم الصعوبات القائمة، وهي تساعد على الاستقرار والسلم المدني".
واذ يرى ان الخلاف بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والذي اثاره تسليم رئيس الوزراء الليبي السابق البغدادي المحمودي الى ليبيا "بعد الحصول على ضمانات قانونية حول عدالة محاكمته وسلامته" ناتج من "خلل تقني اذ ارسل رئيس الحكومة حمادي الجبالي الى رئيس الجمهورية المنصف المرزوقي يبلغه موعد تسليمه فلم تصل الرسالة الى الاول في الموعد المحدد"، وهي الرواية التي يرفضها فريق رئيس الجمهورية، يطمئن عبد السلام الليبيين الموجودين في تونس الى "انهم ضيوف مرحب بهم ولن يتم تسليم احد منهم"، لكنه في السياق نفسه يقول إنه "في حال وجود مسائل قانونية فالامور متروكة للقضاء".
|