|
القاهرة - أمينة خيري
بدا المشهد درامياً تراجيدياً بحتاً في شارع القصر العيني المجاور لمسرح الأحداث الدامية قرب السفارة الأميركية، والمتفرع من مسرح الأحداث الثورية في ميدان التحرير، والمتاخم لرصيف مجلس الوزراء مسرح الأحداث الاحتجاجية على الرصيف، والقريب من مسرح الأحداث الدامية عند شارع محمد محمود ووزارة الداخلية. ظهر الرجل الثمانيني فجأة متسلقاً الرصيف الشاهق الذي اعتقد البعض وقت تشييده قبل سنوات أن الغرض منه هو إجبار المصريين على الاعتناء بلياقتهم البدنية. جلس العجوز الذي يمشي بالكاد على الرصيف واستدار بنصف جسده واتكأ على عكازه، ثم اتخذ وضع السجود وتحامل على نفسه حتى وقف ليستأنف رحلته صوب الميدان. فوجئ بإجراءات أمنية غير معتادة، وحين سأل عن السبب وجاءته إجابة أحد الجنود بأنها تحسباً للتظاهرات ضد «الفيلم المسيء»، استشاط غضباً وصاح قائلاً: «وهذا الرصيف الشاهق العلو، أليس مسيئاً؟ وهذه المواصلات غير الملائمة للاستخدام الآدمي، أليست مسيئة؟ وهذا الشارع غير المرصوف، أليس مسيئاً؟ وسيري في الشارع لأقضي مصالحي وأنا في هذه السن، أليس مسيئاً؟». لم يلتفت إليه أحد لأن الجميع كان منشغلاً، كلٌّ بما يسيئه، فعلى رغم أن «الفيلم المسيء» الذي لا تعرف الغالبية المطلقة اسمه حتى اللحظة الآنية هو محور الأحداث الملتهبة، فإنه يبدو أن اسمه المكتسب (الفيلم المسيء) أجج كل مواطن الإساءة لدى قطاعات مختلفة من المصريين. وإذا كان الرجل المُسِن أكمل طريقه وهو يصب لعناته على «الرصيف المسيء»، فإن جموع المحتجين على الرصيف المقابل أججوا احتجاجاتهم كل حسب مصدر الإساءة: الخيمة الممثلة للمعلمين عبرت عن «كادر» الرواتب المسيء، والمجاورة لها صبت غضبها على «الإدارة المسيئة» لمصنع الحديد والصلب، وجارتها هتفت ضد «اليومية المسيئة» التي لا تتجاوز 20 جنيهاً (نحو ثلاثة دولارات) للعمال الموقتين في مصانع للإنتاج الحربي وشركات للبترول. أصحاب الخيام الاحتجاجية على رصيف الاحتجاجات الأشهر في مصر يعتبرون المعايير الاقتصادية لمعيشتهم «مسيئة» لهم ولأسرهم أكثر من «الفيلم المسيء». أحد المحتجين قال لـ «الحياة»: «انقلبت الدنيا من أجل فيلم نكرة، آلاف المتظاهرين وجحافل أمن وتصريحات نارية، لكن أحداً لم تهتز له شعرة بحصولي على راتب شهري قدره 272 جنيهاً لا تكفي لإعاشة معزة». ولحسن الحظ أن الماعز من الحيوانات ذات المقدرة العالية على تحمل الجفاف، عكس المركبات التي تحتاج إلى تموين مستمر بالوقود، وإلا توقفت تماماً عن الحركة، وهو ما يعتبر «إساءة» إلى أصحابها والعاملين عليها باعتبارها مصدر رزق. فاحتجاجاً على «الأزمة المسيئة» لمصدر رزقهم والتي تضطرهم إلى الاصطفاف يومياً بالساعات من أجل الحصول على الوقود، أعلن عدد من سائقي الميكروباص الملقبين مصرياً بـ «عفاريت الأسفلت» احتجاجاً على «قطع الرزق». ومن «الأزمة المسيئة» إلى «فض الاعتصام المسيء» والذي أغضب كثيرين في مصر، وليس فقط من تم فض اعتصامهم بالقوة. فأزمة «جامعة النيل» مع «مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا» تم حلها أول من أمس بالقوة التي أساءت ليس فقط إلى طلاب وطالبات «جامعة النيل» المتمسكين بجامعتهم، ولكن إلى الثورة برمتها التي اعتقد البعض أنها أسدلت الستار على التعامل بالقوة مع الاعتصامات والاحتجاجات إذا كانت سلمية وغير «مسيئة». لكن يبدو أن الثورة وحدت بين جموع المستائين في مصر للمرة الأولى، فالحادث الطريف الذي تمت فيه سرقة سيارة الحرس الجمهوري من أمام بيت الرئيس محمد مرسي في الزقازيق كان «مسيئاً» إلى المسؤولين عن تأمينه. وبدلاً من أن يصفق الجميع ويهلل لجهود الأمن التي أسفرت عن العثور عليها بعد أقل من 24 ساعة وإلقاء القبض على السارقين، اعتبر كثيرون هذه الهمة وهذا النشاط مسيئين إلى كل من سرقت سيارته منذ شهور طويلة ولم تبذل الجهود للعثور عليها، لا سيما مع صدور قرار «مسيء» بنقل مأمور قسم ورئيس مباحث في الشرقية عقاباً لهما على الحادث «المسيء». ولعلها المرة الأولى التي تتحدث فيها ربات البيوت المصريات عن «الفاصوليا المسيئة» (14 جنيهاً للكيلو) والخيار «المسيء» (ستة جنيهات للكيلو). لقد جعلت الأوضاع والإجراءات والتصرفات والأحداث «المسيئة» من الاحتجاجات الفئوية والاعتصامات النوعية والإضرابات الجزئية مزاجاً عاماً يوحد الجميع، إن لم يكن تحت راية مطالب واحدة أو أوجاع متطابقة، فتحت عنوان واحد عريض هو «أوضاع مسيئة» بدءاً بـ «الرصيف المسيء» ومروراً بـ «مستوى الدخل المسيء» وانتهاء بـ «الفاصوليا المسيئة».
|