WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Sep 19, 2010
Source: جريدة النهار اللبنانية
 
مشاهدات سريعة على أبواب المحاكم الشرعية اللبنانية

رجولة فائضة ونساء بين نارين:  رغبات المتزلفين والأحكام العشوائية

 

تنقل هذه المشاهدات السريعة أحوال نساء يطلبن الطلاق من رجالهن أمام قضاة المحاكم الشرعية، حيث الرجولة الفائضة وهتك الخصوصيات، والأحكام العشوائية.
ما إن تطأ قدمك إحدى عتبات مداخل المحاكم الشرعية في لبنان، حتى تتنشق عبق "بني آدم" الذي يفوح من كل صوب حقداً على تفاحة حواء ودهاء شهرزاد وأخواتهما. الصور الاعتيادية في ذاك المكان هي عويل النساء وزئير الرجال، حيث الانكسار، الخيبة، الظلم، المعاناة الإنسانية بأقذر حللها وأشدها رداءة، حينما تتحول العلاقات البشرية والعائلية معاملات تنتظر تواقيع في الدوائر الرسمية، او مشادات كلامية "حامية" بين أزواج انقلب الحب والتعاطف بينهما الى حقد وكراهية، وبات همّ كل منهما أن يحقق مكاسب أكبر من نفقة ونقد ومن "عفش البيت" الذي غالباً ما اختاراه معاً.

 

مشاهد عابرة

 

المشهد الأول الذي استوقفني وانا أدخل المحكمة الشرعية في الشمال، هو مشهد صبي يقف خارجاً، متكئاً على أحد الأعمدة منتظراً اقتربت منه وسألته ماذا يفعل وكم عمره، فقال انه في الثانية عشرة و"ناطر البابا". سألته ماذا يفعل أباه في الداخل فقال أنه لا يعرف. أخبرني الولد أنه يعيش مع ابيه وجدته، وان والديه منفصلان منذ سنة تقريبا وهما يحاولان انهاء معاملات الطلاق. "انا بحب عيش مع الماما كمان بس ما بخلوني"، ثم أضاف انه يشعر بالملل لأنه يقضي ساعات طويلة مع جدته، ووالده غائب في معظم الأحيان.
كان متكئاً الى الحائط، يقف وحيداً فيما ملامح الخجل والانطوائية تسكن وجهه الشاحب قليلاً وبنيته الضعيفة. كان ينظر الى البعيد ويحاول ان يدير ظهره للجموع كالهارب من شيئ ما والملفوظ خارج طفولته وبداية مراهقته الى هموم سبقته سناً وداهمته على غفلة.


المشهد الثاني الذي يكاد لا يفارق مخيلتي هو مشهد سيارة سوداء كبيرة توقفت امام المحكمة وخرج منها السائق، مسرعاً ليفتح بابها الخلفي لرجل نزل منها هو الآخر. نزل رجل الدين من السيارة بعمامته الكبيرة. كان الجميع يحدق اليه بأعين يستدر بعضها عطفه والبعض الآخر فقد الأمل حتى بالقليل من الرحمة. أكمل رجل الدين سيره الى مكتبه من دون أن يحدق في الجموع، كأن الهم الأكبر هو ان يصل الى مكتبه وليس الى طالبي نجدته. كان قوي البنية، على عكس الصبي الواقف خارجاً. حيّاه احدهم قائلاً "مرحبا سيدنا" وفتح له الباب ليدخل الى مكتبه لمعالجة هموم الناس او لـ"نخليص معاملاتهم".    


رجال السلطة او القانون أي "الدرك" وما شابه ذلك، يتربصون للنساء هناك. ويل لامرأة تنزل وحدها الى المحكمة الشرعية. ستجد كثيرين يأخذونها في الأحضان، خاصة ان لم يكن لها أهل او ان كانت "على قد حالها". امرأة معنفة على الأرجح، وتبحث عن مخرج من حياة زوجية فاشلة. تجد أشخاصاً يبدون اهتمامهم بها ويتحسرون على شبابها وجمالها الذي لم يقدره زوجها. سرعان ما تقع في شرك أشد نقمة من شرك الزوجية الفاشل، لأنها غالباً ما تكون هشة وانفعالية، عاجزة عن التمييز بين الأشخاص الذين قد يساندونها صادقين ومن دون مقابل من "فاعلي الخير" الذين يلتمون من كل جهة لأنها فقدت "السترة" في مفهومها الاجتماعي وصارت مباحة لهم.


النساء يجلسن ومعطمهن يتجهن بانظارهن الى الحائط. يحدقن في اللاشيء، كأنهن يتمنين لو ان وجوههن تختفي او تتغير معالمها.
الشيئ الذي يستدعي السخرية في ذلك المكان هو انعدام الخصوصية. فأبواب القضاء مشرعة والناس تعرض مشاكلها وخصوصياتها علناً، فيسمعها العابرون. البعض يضحك والبعض يتأثر والبعض الأكبر يصم آذانه.
في إحدى الزوايا وقف المحامي يؤكد لأحد موكليه أن الحكم سيصدر لصالحه. وآخر يعد موكلته باسترداد حقوقها ويلهمها بالصبر وعدم الانجرار وراء انفعالات قد يستدرجها اليها "الخصم". من يستطيع الاعتراض؟ في الحب والحرب، كل شيء مباح.

 

الفوقية والتعالي

 

تخبر احدى النساء المطلقات حكايتها، فتقول: "اذكر يوم نزلت الى المحكمة الشرعية متأبطة ذراع والدي في عداد النساء المكسورات الجناح. طلب مني الرجل الواقف على الباب أن أضع غطاء شرعيا على رأسي  قبل الدخول الى الشيخ (القاضي). انتظرنا خارجاً قبل ان ادخل انا ووالدي وزوجي ووالده الى مكتب الشيخ. كان يقف قبالتي ويشرح موجهاً كلامه الى زوجي، موضحاً انني طلبت الانفصال من دون سبب جوهري. "ولكنه يخونني"، حاولت مقاطعة حديثه. لكن الشيخ رمقني بنظرة مفادها ان التزم الصمت. لم يوجه لي الكلام ولو لمرة واحدة. كان يكلم والدي وينظر الي كأنني رمز للخطيئة او غير ناضجة بعد. شعرت بالضيق وكنت اتمنى لو تنتهي الامور بسرعة. كان زوجي يهاجمني باتهامات عشوائية امام رجل دين لا اعرفه ولا هو يعرفني. يتكلم عن حياتنا الخاصة ويؤكد انه لا يخونني، ولكن "عقلي صغير". حاول الشيخ الهامه بالصبر فتأفف والده كأنني انا من ظلمت ولده وليس هو من ظلمني. خرجت من تلك الحجرة وانا ابكي. اردت ان اصرخ وادافع عن نفسي ولكن بدا لي أن ذاك المنبر للرجال فقط. اتفقنا ان اتخلى عن كل شيئ مقابل الحصول على الطلاق لأنني انا من بادر الى طلبه وهكذا كان.

 

الفروق الاجتماعية

 

الانقسام الطبقي لا يغيب عن المحاكم ايضاً. فالذوات يحصلن على معاملة خاصة. وقد ينقلب السحر على الساحر، اي على الرجل ان كانت امرأته ميسورة الحال او متحدرة من عائلة عريقة لها يد "طايلة" تحمل القضاة على غض النظر عن خصوصياتها، فيسارعون الى تبييض صفحاتهم ومساعدتها من دون ان تمس بأذى. أما الفقراء من النساء هناك فهن من يتجرعن العلقم ويدفعن ضريبة "التعتير".


وراء كواليس الشرعية تقع الكوارث، ويكثر الحديث عن "الرشاوي" مالية وجسدية، ينالها صاحب الحكم مقابل اعطاء الزوجة حقوقها او حق حضانة أولادها. الحقوق تبدو شبه معدومة، ومعاملات الطلاق تستغرق وقتاً طويلاً، خصوصاً في محاولات الصلح. تروي احدى النساء ان اقسى ما تعرضت اليه كان الفوقية والتعالي التي لاقتهما في المحكمة الشرعية. ففيما كانت تحاول ان تفسر وجهة نظرها للشيخ، كان جمع من الناس يقف وراءها ويستمع الى حكايتها. طلب منها الشيخ ان تنتظر خارجاً، فانتظرت اكثر من ثلاث ساعات ثم طلب منها ان تعود بعد اسبوع. مر الاسبوع ثقيلا، وعندما عادت، تكرر الامر. تكررت الاسابيع وطال الانتظار الى ان حصلت على ورقتها اخيراً ولم تستطع الحصول على حضانة ولديها لانهما تعديا السن التي تسمح لها بحضانتهما. وعندما حاول المحامي اللجوء الى محكمة الاستئناف، طالت القضية ايضاً وحصلت اخيراً على حق مشاهدة اولادها. لكن منحها ذاك الحق لم يأخذها الى بر الامان. القانون منحها حق المشاهدة ولكنه لم يمنع زوجها كم وتشويه صورتها أمام أولادها. تصف العدالة بالمنقوصة وتقول انها فقدت ايمانها بهذه القوانين التي تتستر تحت وجه العدالة وتحتضن بين جناحيها اسوأ الممارسات المجحفة.


امرأة أخرى تمكنت من احتضان اولادها ولكنها بالكاد حصلت على "نفقة" تمكنها من أن تعيلهم او تحصل على مسكن يليق بالحد الادنى للعيش. وحين حاولت توجيه الملامة للقاضي والشرح بان حالة زوجها المادية الميسورة تخوله ان يتولى مصاريفهم، قال لها القاضي "اذا ما عجبك، روحي غيري دينك".
المرأة التي تحاول جاهدة ان تجد سنداً لها يريحها من عذاباتها او يمنحها حريتها وفق اطار الشرع والاخلاق الانسانية تجد نفسها امام نارين: نار "الاحبة المتزلفين" الذين يريدون اغراءها، ونار من يريد سلبها حقوقها او اطلاق احكام عشوائية عليها. فاي من هذه النارين اخف وجعاً؟


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved