|
القاهرة - أمينة خيري
يجري العمل حالياً على ابتكار وابتداع تعريف جديد وغير مسبوق للمعارضة السياسية في مصر. وتشير المؤشرات الأولية إلى أن التعريف الجديد من شأنه أن يُدخل المشهد السياسي المستقبلي موسوعة «عجائب وطرائف» من أوسع أبوابها. ويبدو أن أيام المعارضة المدجنة في حظيرة النظام ولت ودبرت معها كذلك المعارضة الحقيقية المولودة من رحم الشارع، أو على الأقل هكذا تشير المواصفات القياسية التي يجري وضعها حالياً. وشاءت الأقدار أن يشهد ميدان التحرير رمز الثورة المصرية ولادة ملامح المعارضة الجديدة وأغلبها قائم على أسس يعتبرها المصريون دستوراً شعبياً حاكماً، وأولها مبدأ «فيها لا (أو) أخفيها». وبحسب هذا الملمح المتفرد، فإن أي حركة أو همسة أو لمزة تقوم بها المعارضة يجب أن تكون مدرجة ضمن الأنشطة الرئيسة للحزب الحاكم أو الجماعة المهيمنة، وإن فلتت أو هربت أو فرت أو كرت، فإنها تفقد توصيفها باعتبارها «معارضة» وتتحول إلى «شغب سياسي» أو «لغط شارعي» أو «تهييج إعلامي». فنزول تيارات سياسية إلى الشارع لحساب الرئيس على وعود المئة يوم الأولى من حكمه تبعاً لمعايير تخالف معايير الرئيس هو عين الشغب ومدعاة للغط وسبب للتهييج. وتبعاً للملمح الثاني فإنه يتحتم على المعارضة أن تنظر إلى الغالبية الحاكمة بعين ملؤها الإعزاز وفكر يكتنفه التقدير وقناعة يحكمها الشعور بالدونية. فالجماعة الحاكمة أعلى شأناً وأرقى مكانة وأعظم حنكة من كل ما عداها، اتباعاً لمبدأ «العين لا تعلو على الحاجب»، لكن إن فعلتها فيكون نصيبها الفقء. ولأن وجود معارضة مفقوءة العينين أمر غير مستحب فإن اتباع مبدأ «الوقاية خير من العلاج» هو المستحب. وهنا تبزغ معالم الملمح الثالث للمعارضة، ألا وهو «قضاء أخف من قضاء»، فمعارضة معصوبة العينين أفضل من معارضة مفقوءة العينين. وبالتالي، فإن سرية الاجتماعات الرسمية وهلامية التصريحات الحكومية وعشوائية القرارات المصيرية تحمي المعارضة من نفسها، وتقيها شر وساوس الشكوك وهلاوس المساءلات الموجهة إلى الغالبية الحاكمة، والتي قد تؤدي بها إلى مغبة فقء العينين. مغبة أخرى ستتمتع بها المعارضة الجديدة وهي حمايتها من «الصيد في المياه العكرة» وذلك تبعاً للملمح الرابع. فالمناظرات العلنية والحوارات الشعبية والجلسات العلنية التي من شأنها أن تبرز نقائص الغالبية الحاكمة غير مطلوبة، فمثل هذه الشفافية والمصارحة تخضع لمبدأ حساب القيمة المضافة، فإن كانت القيمة أقل من المنفعة، فالأجدر تجاهلها برمتها. وإبراز المشاكل والمناقشات والحوارات الداخلية للغالبية الحاكمة من شأنه أن يكون أرضية خصبة لراغبي تصيد الأخطاء من المعارضة، وبالتالي رب تمويه خير من ألف «شفافية» و «مكاشفة». وينص الملمح الخامس على مبدأ «خذوهم بالصوت لا يغلبوكم». ويبدو هذا واضحاً من الصراخ النابع من أرجاء برامج الـ «توك شو» حيث تبح حناجر الضيوف المتناحرين على أمل تحقيق نصر مبين وفوز أكيد على الضيف المضاد المعارض. ويبدو أن واضعي هذه المعايير والملامح على درجة من الحنكة والدقة والخبرة جعلتهم لا يدعون «خرم إبرة» يسمح للمعارضة بخرق قواعد اللعبة، فينص الملمح السادس على مبدأ «ضربني وبكى، وسبقني واشتكى»، وهو ما يحتم تأليف معجم جديد للمعاني. فـ «الاعتداء على متظاهرين من معارضي الإخوان» يعني «الاعتداء على شباب الإخوان»، و «هدم منصة التيار الشعبي من قبل أنصار الرئيس» معناه «ظهور بلطجية هدموا المنصة». أما «تواجد شباب الإخوان في الميدان» فقد يعني إما «تواجد بعضهم على عكس الأوامر الصادرة لهم بالتوجه إلى دار القضاء العالي» أو أنهم «تواجدوا بالصدفة لأنهم قادمون من المحافظات والأقاليم والذين يسافرون عادة بعد صلاة الفجر» أو أنهم «لم يتواجدوا». وبالتالي يتم غلق الباب تماماً أمام المعارضة التي توجه لهم اتهامات بالاعتداء، وسبب غلق الباب هو إصابة المعارضة بدوار شديد لتباين المعاني وتعارضها، وهو ما يلخص الملمح السابع القائم على مبدأ «دوخيني يا ليمونة»! وحتى تكلل هذه الملامح بصبغة قانونية تمدها بالشرعية وترويها بالصدقية، يأتي سن قانون جديد يواجه «البلطجة السياسية» تحت غطاء «الحفاظ على مكتسبات الثورة» وإجهاض «محاولات بعض العناصر المناوئة للثورة استغلال معتادي الإجرام لتحقيق مآرب سياسية تخدم مصالحهم الخاصة». المشروع الجديد سيضم تسع مواد عقابية ووقائية لفرض هيبة الدولة!
|