|
موناليزا فريحة بصعوبة وبطء، يشق "الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة السورية" الذي ولد في قطر والذي صار مقره القاهرة، طريقه على الساحة الدولية. ومن شأن اعلان مجموعات اسلامية مقاتلة رئيسية أمس توافقها على انشاء دولة اسلامية تعقيد مهمته أكثر.
قبل توجهه الى السعودية أمس لاجراء محادثات مع ممثلين لـ"الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة السورية"، كتب الممثل البريطاني الخاص لدى المعارضة السورية جون ويلكس في حسابه بموقع "تويتر" أنه سيبرز حاجة هذه المعارضة الى التواصل مع الاقليات وتعهد رؤية تعددية وديموقراطية والتزام لاحترام حقوق الانسان، قائلاً إن تفاقم المذهبية "يشكل مصدر قلق لنا جميعا".
ليست لندن وحدها القلقة من الانقسامات المذهبية والطائفية في سوريا، والخائفة على شكل النظام الذي سينبثق من "سوريا الجديدة"، وإنما أوروبا كلها ومعها أميركا. واذا كانت فرنسا اتخذت موقفا متقدماً من "الائتلاف الجديد"، فهذا لا يعني أنها أكثر اطمئناناً من شركائها الغربيين، بيد أنها تتطلع على ما يبدو الى تهميش الإسلاميين الذين يتزايد نفوذهم في المعارضة.
في 11 تشرين الثاني الجاري، ولد "الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة السورية"،في رعاية أميركية وقطرية، الامر الذي اعتبر بداية لمعارضة سورية أوسع تمثيلاً، تلبي الشرط الاساسي لواشنطن وأوروبا من أجل زيادة مساعداتهما للثوار.
ولا شك في أن معارضة كهذه كانت حاجة ملحة أيضاً، في ظل الانتقادات الموجهة الى "المجلس الوطني السوري" الذي تهيمن عليه جماعة "الاخوان المسلمين" وغياب التواصل بينه وبين المقاتلين على الارض وعدم تمثيله على نحو صحيح كل مكونات الموزاييك الاتني-الطائفي السوري.
من هذا المنطلق، شكل الائتلاف الموسع، وإن يكن خصص حصة كبيرة لاعضاء "المجلس الوطني السوري" نقلة نوعية على طريق ظهور قيادة سياسية سورية تؤدي دورها في هذه المرحلة الحساسة من عمر الثورة وتنجح في تبديد المخاوف الغربية من تزايد نفوذ الاسلاميين في "الجيش السوري الحر"، الامر الذي يفتح الباب لزيادة المساعدة المالية والعسكرية من المجتمع الدولي.
وحظي الائتلاف بدفع ديبلوماسي فوري مع اعتراف باريس به "الممثل الشرعي للشعب السوري" وتعهدت البحث في امكان مد الثوار بالاسلحة.واعترفت به تركيا وايطاليا ودول الخليج وجامعة الدول العربية، ووصفه أمينها العام نبيل العربي بأنه "بصيص أمل". وصار الاتحاد الاوروبي أمس آخر المؤيدين للائتلاف "ممثلا شرعيا لتطلعات الشعب السوري"، وإن يكن لم يذهب الى حد مجاراة فرنسا، بحجة أن الاعتراف الديبلوماسي رهن بكل دولة عضو على حدة.
معاذ الخطيب
ومع ذلك، لم تحصل هذه النقلة النوعية في مسيرة المعارضة السورية من دون مفاجآت، ولم تكتسب الزخم المتوقع ، أقله حتى الان. ولعل أبرز المفاجآت كان تعيين الداعية أحمد معاذ الخطيب رئيساً للائتلاف.فعلى رغم الاجماع على أنه شخصية محترمة في سوريا، وأنه معتدل ومنفتح،أثار قربه من جماعة"الاخوان المسلمين" تساؤلات عدة. فمع دعوته في الخطاب الذي أعقب انتخابه الى حقوق متساوية "لجميع أطياف الشعب السوري"، رصدت له مجلة "فورين بوليسي" مواقف سابقة اتسمت بالحدة حيال الاقليات. ففي احد مقالاته ، وصف الشيعة بأنهم "روافض"، وذهب الى انتقاد قدرة الشيعة على "نسج الاكاذيب والتقيد بها".
كذلك، اتهم القوى الغربية بدعم النظام المصري السابق والعمل على اضعاف البلاد لتحقيق اهدافها الخاصة. وقال إن "انهيار النظام المصري هو بداية سقوط النظام الاقليمي العالمي".
ويبدو عداء الخطيب للغرب واضحاً في كتاباته. ففي احد مقالاته عام 2001 ، يتحدث عن الديبلوماسية "الاميركية الغبية " و"البريطانية الماكرة" و"الفرنسية الخبيثة". ولم يتوان عن اثارة مخاوف المسلمين من الغرب، وأورد في موقعه على الانترنت تقريراً بثته الاذاعة الهولندية عن التطهير الاتني للاقليات المسلمة في أوروبا، مستنداً الى تصريحات لشخصيات أوروبية يمينية متطرفة.
ويعتبر الخطيب من المعجبين بالشيخ يوسف القرضاوي.ويشبه أسلوبه أحيانا لغة النظام السوري.ففي مقال له عنوانه "الفايسبوك موقع استخباري أميركي اسرائيلي"، يدعي أن مستخدمي موقع التواصل الاجتماعي يصيرون الزاميا جواسيس أميركيين أو اسرائيليين من خلال مشاطرتهم المعلومات.وحذر من احتمال تبادل معلومات جنسية عبر "الفايسبوك" يمكن أن تشكل "نقاط ضعف" لتعبئة جواسيس. لن توحي المواقف السابقة للخطيب بالطمأنينة الى الغرب، وهي تخالف الصورة التي تحاول المعارضة السورية عموما تقديمها عن نفسها، في الداخل كما على الساحة الدولية.
"دولة اسلامية"
ووقت كان الغرب يترقب توحيد الثوار المسلحين من خلال إنشاء قيادة عسكرية موحدة، خطوة تالية بعد "توحيد" المعارضة السياسية، اعلنت مجموعات اسلامية في منطقة حلب منها "جبهة النصرة" و"لواء التوحيد" و"كتائب احرار الشام"،رفضها "الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة"، مؤكدة توافقها على انشاء دولة اسلامية، الامر الذي يشكل انتكاسة قوية للائتلاف ويدل على أنه لا يتمتع بالسلطة على كل الحركات التي تحارب النظام السوري، وتحديداً المجموعات المسلحة الاكثر نفوذاً.
وورد في بيان تلاه في شريط فيديو احد ممثلي المجموعات: "نعلن نحن التشكيلات المقاتلة على ارض حلب وريفها... رفضنا المشروع التآمري لما سمي الائتلاف الوطني، وتم الاجماع والتوافق على تأسيس دولة اسلامية عادلة".وعدد التشكيلات الموافقة على البيان، وهي الى" النصرة" و"التوحيد" ذات التوجه الجهادي، "كتائب احرار الشام" (سلفيون)، و"احرار سوريا"، و"لواء حلب الشهباء الاسلامي"، و"حركة الفجر الاسلامية" و"درع الامة" و"لواء عندان" و"كتائب الاسلام" و"لواء جيش محمد" و"لواء النصر" و"كتيبة الباز" و"كتيبة السلطان محمد" و"لواء درع الاسلام".
ويعدّ بعض هذه المجموعات المقاتلين الاكثر اهمية في شمال سوريا الذي صار بكامله في أيدي الثوار والذي يمثل الجهاديون القوة المسلحة الرئيسية فيه. وردا على سؤال لـ"وكالة الصحافة الفرنسية"، أقر رئيس المجلس العسكري في "الجيش السوري الحر" بمحافظة حلب العقيد عبد الجبار العكيدي بان "هذه التشكيلات تشكل جزءاً من القوة العسكرية الموجودة على الارض في حلب وتعبر عن رايها الخاص"، لكن "المجلس العسكري الثوري اعلن تأييده للائتلاف الوطني، وهو سيتعاون معه". ومن شأن هذا التطور أن ينعكس على خطط المؤيدين لرفع الحظر عن تسليح الثوار.
وكانت صحيفة "الفيغارو" الفرنسية نسبت الى مصادر ديبلوماسية فرنسية أن الهدف الآن يتمثل فى إنشاء "الجبهات الخمس" حول المدن الكبرى في سوريا، بحيث يمثل الثوار المقربون من "الائتلاف" الجديد ثلثي المسلحين من أجل استبعاد الثلث الأكثر راديكالية.
مؤتمر طهران
اختتم مؤتمر "الحوار الوطني السوري" في طهران بالاتفاق على تأليف لجنة متابعة قال مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون العربية والأفريقية أمير عبداللهيان إن هدفها الإعداد لاجتماع مقبل في العاصمة السورية دمشق. وفي غضون ذلك استمرت الاشتباكات بين مقاتلين معارضين وآخرين اكراد في بلدة رأس العين الحدودية مع تركيا، وسقط فيها ستة معارضين. وأفاد "المرصد السوري لحقوق الانسان" الذي يتخذ لندن مقراً له، في بيان ان "الاشتباكات العنيفة لا تزال مستمرة في رأس العين بمحافظة الحسكة بين وحدات حماية الشعب الكردي ومقاتلين من كتائب معارضة"، مشيرا الى مقتل "ما لا يقل عن ستة من أفراد الكتائب المقاتلة ينتمون الى كتيبة غرباء الشام المقاتلة" المعروفة بتوجهها الاسلامي. وأشار الى ان هناك خسائر في الأرواح في صفوف المقاتلين الاكراد ايضا. ووصف رئيس حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي صالح مسلم حوادث رأس العين بأنها "مؤسفة"، وقال: "نحن لا نريد الاصطدام بالجيش الحر، لكن هؤلاء الذين يقاتلون الاكراد في رأس العين يتلقون اوامرهم من تركيا، وقد دخلوا المدينة من تركيا". وفي محافظة حلب، سيطر مقاتلون معارضون على مقر الفوج 46 التابع للقوات النظامية والذي اقتحموه الاحد، استناداً الى المرصد السوري، الذي أشار الى قصف تعرض له المقر من طائرات حربية. وفي ريف دمشق، اغتال مسلحون معارضون مدير منطقة النبك العميد عبدالله الدرعاوي وأربعة من رجال الشرطة عندما اطلقوا الرصاص عليهم في شارع المجمع الحكومي بمدينة النبك الذي يضم مقار الادارات الحكومية. وقتل ثلاثة اشخاص في تفجير عبوة ناسفة استهدفت اوتوبيساً صغيراً للركاب في شمال غرب دمشق.
مؤتمر طهران
وفي طهران اختتم مؤتمر "الحوار الوطني السوري" الذي انعقد تحت شعار "لا للعنف، نعم للديموقراطية" بمشاركة نحو 170 شخصية سياسية سورية، إلى نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية قدري جميل ووزير المصالحة الوطنية في سوريا علي حيدر وفي حضور وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي. وتقرر في ختام المؤتمر تأليف لجنة متابعة لإجراء اتصالات مع سائر ممثلي الشعب السوري وبذل الجهود لإقامة حوار وطني شامل وتحقيق المصالحة الوطنية وإجراء إصلاحات سياسية.
ونقلت وكالة الجمهورية الاسلامية الإيرانية للأنباء "إرنا" عن مصادر ديبلوماسية عن أن الأعضاء الرئيسيين لهذه اللجنة هم 16 ومن المقرر أن تحدد الأحزاب والتيارات السياسية المشاركة في مؤتمر طهران ممثليها علی وجه السرعة لاستكمال التشكيلة النهائية للجنة. واتهم وزير الخارجية الإيراني جهات أجنبية بمحاولة إيجاد فراغ سياسي في سوريا، قائلاً إن إسرائيل هي المستفيد الوحيد من عدم الاستقرار في سوريا. وقال لدى استقباله رئيس أساقفة حلب للسريان الأرثوذكس المطران يوحنا إبرهيم، علی هامش "الحوار الوطني السوري" في طهران، إن الشعب السوري الواعي هو الذي ينبغي أن يقرر مصيره بنفسه، وإن أي تغيير أو تطور في هذا البلد في إطار الإصلاحات السياسية يجب أن يتم من طريق الشعب السوري.
خامنئي
وقال المرشد الأعلى للجمهورية الاسلامية علي خامنئي "ان حقيقة القضية السورية هي ان جبهة الاستكبار تعتزم تفكيك حلقة ارتباط المقاومة في المنطقة التي تقع بجوار الكيان الصهيوني الغاصب". ورأى "ان السبيل لحل الازمة السورية يكمن في منع ارسال الاسلحة الى هذا البلد... اذا تم تزويد المعارضين في كل بلد اسلحة من خارج البلاد، فمن الطبيعي ان يتصدى النظام الحاكم للمعارضين". وأضاف: "إذا ألقى المعارضون في سوريا السلاح، فسيتوافر إمكان مطالبة الحكومة بالاستماع الى وجهات نظرهم والسماح لهم بإبداء مواقفهم".
أردوغان
في اسطنبول، اعتبر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أن مؤامرة خطيرة تدبر في سوريا قادرة على إشعال المنطقة برمتها، مشيرا إلى أن الأحداث الدائرة في سوريا حاليا ليست توترا أو حربا بين المذاهب. وقال في كلمة ألقاها الاثنين أمام "المنتدى الإسلامي لمنطقة أوراسيا" في اسطنبول إن "نظام الأسد يسعى إلى تحويل كفاح الشعب السوري من أجل الكرامة إلى حرب مذهبية من أجل إضفاء الشرعية على الأعمال الوحشية التي ينفذها في حق شعبه". ولاحظ أن الشعوب في شمال أفريقيا والشرق الأوسط بدأت مرحلة لا رجعة فيها من أجل تحقيق آمالها في الحرية والعدالة والمساواة.
"هيئة التنسيق"
ودعا معارضون سوريون في مؤتمر صحافي بدمشق الى عقد مؤتمر يوحد المعارضة السورية في الداخل والخارج بما فيها "الائتلاف الوطني السوري" الذي تشكل في الدوحة اخيرا، من غير ان يحدد تاريخه. وقال أمين سر "هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديموقراطي" في سوريا حسن عبدالعظيم: "ندعو جميع القوى وأطراف المعارضة في الداخل والخارج الى حضور مؤتمر في القاهرة. وستوجه الدعوات الى كل القوى بما فيها المجلس الوطني الكردي والمنبر الديموقراطي والائتلاف الوطني السوري الذي تأسس في الدوحة وبقية الشخصيات والقوى". وأوضح ان "هدف المؤتمر السعي الى توحيد فعلي للمعارضة".
|