WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Dec 22, 2010
 
سباق في لبنان بين التسوية والفتنة

الاربعاء, 22 ديسيمبر 2010

فوزي زيدان *


القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، المرتقب صدوره في الأيام المقبلة، عن المدعي العام للمحكمة الخاصة بلبنان القاضي دانيال بلمار، يشكل أزمة سياسية حادة في لبنان، نتيجة تمسك «حزب الله» وحلفائه في «قوى 8 آذار» بموقفهم المعارض للمحكمة والرافض للقرار الاتهامي، بذريعة أن المحكمة الدولية مسيسة تنفذ الأهداف الأميركية والإسرائيلية، وأن غاية القرار الاتهامي تحميل «حزب الله» وزر الجريمة الإرهابية، انتقاماً من دوره المقاوم للاعتداءات الإسرائيلية والمتصدي للمشاريع الأميركية في المنطقة، تمهيداً للتخلص منه ومن سلاحه. ووصل الأمر بنائب الأمين العام لـ «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم إلى نعي المحكمة الدولية وأن توقيت مراسم دفنها سيحدده الحزب، وإلى تحدي المجتمع الدولي بقوله: «بالنسبة إلينا المحكمة غير موجودة، وليس لها أي سلطة على لبنان، حتى ولو أجمع مجلس الأمن بأسره». ويلقى موقف الحزب المتشدد دعماً قوياً من دمشق، نتيجة العلاقة المتينة التي تجمعهما، وربما من تخوف دمشق من مضمون القرار الاتهامي، الذي قد يوجه أصابع الاتهام إلى بعض المسؤولين فيها.


في المقابل، ترفض «قوى 14 آذار» التي ناضلت طويلاً من أجل إنشاء المحكمة الدولية وتعرضت إلى كل أنواع الترهيب والتهديد، المحاولات الهادفة إلى نسفها ورفض القرار الاتهامي قبل صدوره. وتثق بكفاءة قضاة المحكمة ونزاهتهم، وتنتظر صدور القرار الاتهامي لتعلن موقفها من مدى ترابطه وقوة إثباتاته وقرائنه. وتتمسك بحقها في معرفة الحقيقة الكاملة والخالصة عن جريمة اغتيال الحريري والجرائم المتلازمة. وتطالب بإنزال العقاب بكل المتورطين في هذه الجرائم، تنفيذاً لقوله تعالى «ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب»، وردعاً للمجرمين من ارتكاب جرائم مماثلة.

 

ويتعرض الرئيس سعد الحريري، بصفته ولياً للدم ورئيساً لحكومة كل لبنان، إلى ضغوط قوية من «حزب الله» وحلفائه المحليين والإقليميين، من أجل إعلان موقف يتمثل برفض التعاطي الرسمي مع المحكمة الدولية والتنصل منها، ورفض القرار الاتهامي قبل صدوره باعتباره قراراً مسيساً. ويعتمدون في ضغوطهم عليه من أجل اتخاذ ما يعتبرونه موقفاً جريئاً وشجاعاً، وهو في الحقيقة موقف يؤدي إلى انهيار زعامته الوطنية وانتهاء حياته السياسية، على معرفتهم بخوفه على وطنه، واستعداده التضحية من أجل تجنيبه أي تداعيات على وحدته واستقراره، مستندين إلى ما أعلنه في خطاب الافتتاح للمؤتمر التأسيسي الأول لـ «تيار المستقبل» بأنه لن يسمح لدم والده أن يحدث فتنة في لبنان. وكذلك لاقتناعهم بتأييد المملكة العربية السعودية، في نهاية المطاف، التسوية التي تطبخها دمشق ويطمح إليها الحزب، ومن عجز المجتمع الدولي عن حماية لبنان.


ويحاول العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز التوصل مع الرئيس السوري بشار الأسد إلى تسوية متوازنة ومشرفة، تحفظ مكانة «حزب الله» وكرامته، وتحافظ على الاستقرار وحكومة الوحدة الوطنية في لبنان. لكنه يصطدم بموقف دمشق الداعم لمطلب الحزب القاضي بإعلان الحريري وقف عمل المحكمة ورفض القرار الاتهامي قبل صدوره. وتجد الرياض نفسها غير قادرة على الموافقة على هذه الشروط، لأن ذلك يتناقض وموقفها الداعم عمل المحكمة، والمتمسك بضرورة تحقيق العدالة ووقف نهج الاغتيالات السياسية، والمطالب بالتعامل مع القرار الاتهامي بعد صدوره بالوسائل القانونية والسياسية السلمية، لأنه من غير المعقول رفض القرار قبل صدوره ومعرفة محتواه. ويُقابل تحرك الرياض، الهادف إلى التوصل إلى حل وسط يتنازل فيه الفريقان اللبنانيان المعنيان عن تعنتهما لمصلحة بلدهما، برفض «حزب الله» تقديم أي تنازلات، معتمداً على اختلال ميزان القوى في لبنان لمصلحته، وعلى استشراس دمشق وطهران في الدفاع عنه وفي دعمه.


وأدت المواقف المتباينة بين الرياض ودمشق إلى طي صفحة المبادرة السعودية – السورية التي تحدثت عنها باستفاضة وسائل الإعلام اللبنانية والعربية. وقد أدرج الأسد بعد لقائه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي طابع المبادرة تحت عنوان الاتصالات بينه وبين الملك عبدالله. وكان واضحاً في نفي وجود أي مبادرة بقوله «إن الكرة في ملعب اللبنانيين... ولا توجد في المحصلة مبادرة، هناك تنسيق سوري – فرنسي، وتنسيق سعودي – فرنسي منذ أشهر حول لبنان، ولكن الحل لبناني وليس فرنسياً أو سورياً أو سعودياً». وكان سبقه السفير السعودي في لبنان علي عواض عسيري بالإعلان منذ أسابيع، أن الاتصالات بين الرياض ودمشق هي عبارة عن تبادل أفكار بينهما، لمساعدة اللبنانيين على تخطي الأزمة السياسية التي يعيشون في أتونها.


وتتعاطى دمشق مع الملف اللبناني بذكاء ودهاء، حيث تختلف مواقفها المعلنة من المحكمة والقرار الاتهامي عن مواقفها الحقيقية التي تتقاطع مع مواقف «حزب الله»، وذلك من أجل عدم إثارة المجتمع الدولي ضدها بسبب معارضتها القرارات الدولية الملزمة. فقد أعلن الأسد من باريس أنه «عندما يكون قرار المحكمة مبنياً على دلائل قاطعة، فإن الجميع يقبلونه. وإذا كان القرار مبنياً على شبهات أو تدخل سياسي، فلا أحد سيأخذ القرار على محمل الجد»، ومن قطر بعد تداول الأفكار حول الأزمة اللبنانية مع أميرها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني «إن سورية لا تقبل أي اتهام من دون دليل». وتتقاطع مواقف الأسد مع مواقف الحريري الداعية إلى انتظار القرار الاتهامي ليبنى على الشيء مقتضاه، ومن ضمن الشيء رفضه القرار إذا كان لا يتضمن أدلة ثابتة وموثقة وقاطعة. وهنا يتبادر إلى أذهاننا السؤال ما إذا كانت دمشق غير قادرة على إقناع «حزب الله» بعدم رفض القرار قبل صدوره ومعرفة مضمونه، مستنداً في ذلك إلى دعم طهران؟ أم أن موقفها الحقيقي، كما نعتقد، يتقاطع مع موقفه الرافض؟


ومن سلبيات الأزمة السياسية على الأوضاع اللبنانية، انفضاض الاجتماع الأخير لمجلس الوزراء اللبناني وتعليق جلساته حتى إشعار آخر، من دون البحث في الموضوعات المدرجة على جدول أعماله والتي يتجاوز عددها الثلاثمئة موضوع تتناول قضايا إدارية وحياتية مهمة، نتيجة الخلاف على ملف ما يسمى «شهود الزور»، ناتج من تمسك رئيس الحكومة وحلفائه برفض المجلس العدلي أياً تكن آلية اعتماده، ورفض «حزب الله» وحلفائه مبدأ الهيئة الاستشارية التشريعية العليا التي اقترحها الحريري للنظر في كيفية التعاطي مع هذا الملف.


ونتيجة لذلك، تبقى قضايا الناس وهمومهم معلقة إلى أجل غير معروف بسبب تعطيل أعمال الحكومة، ويبقى اللبنانيون في دائرة القلق من التداعيات المحتملة للأزمة الراهنة، ويبقى لبنان تحت رحمة مصالح الدول الإقليمية والغربية، ويبقى السياسيون اللبنانيون يتلهون بالقضايا التافهة بانتظار هبوط «الوحي» عليهم.
وينتظر المواطنون بقلق نتيجة السباق الدائر بتنافس شديد بين التسوية والفتنة، ويتساءلون: لمن سيكون الفوز؟

* كاتب لبناني

 


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved