FRI 1 - 5 - 2026
 
Date: Jun 3, 2017
Source: جريدة الحياة
عن الشر الأخلاقي والجهل المعرفي - صلاح سالم
يبدو التصور الأرسطي القديم عن ارتباط السعادة بالفضيلة، والذي هيمن على وعي العالم التقليدي، قولاً مثالياً متقادماً. فالإنسان لا يرتكب الشر بدافع الجهل فقط، وإنما بدافع اللذة وتحت ضغط الشهوة. بل يمكننا الادعاء أن عالمنا الراهن إذ يزداد معرفة يكاد يزداد شراً في الوقت نفسه، فالمعرفة إذ تضيف الى حواس البشر الخمس الأساسية ما يقوي حدتها ويمد في فضاء عملها، إنما تزيد قدرة الإنسان على ممارسة الشر كما على فعل الخير.

ومن ثم، فالشر الفردي في الزمن المعاصر يفوق نظيره في الزمن القديم، فلا قدرة الإنسان على الإيذاء ظلت عند حدها البدائي المعروف، ولا قدرة الجماعات على ممارسة القتل بقيت أسيرة الحد التقليدي. وبينما يمكن الادعاء بأن تكنولوجيا سفك الدماء وتخريب العمران صارت عظيمة، ما يعني قدرة المعرفة على زيادة ضحايا الشر، لا يمكننا الادعاء بأن العالم زادت حكمته في المقابل، ما يعني أن علاقة المعرفة بالقدرة على الإيذاء تبدو مؤكدة، بينما تظل علاقتها بالحكمة احتمالية.

فمجتمعاتنا الحديثة، التي أدركت الأهمية الفائقة لحقوق الإنسان، مثلاً، لم تندفع بالضرورة الى احترام جميع تلك الحقوق في كل الأحوال، فظلت المذابح تفتك ببعض البشر، والناظر الى المأساة السورية وحجم الألم المتولد عنها، قد يشعر بأن المنظومة الحقوقية استحالت عقداً من اللؤلؤ لا يزين سوى أعناق سيدات القصر، أي تلك الأمم الثرية المتقدمة، القادرة أصلاً على الفتك بالآخرىن.

غير أن القول بأن المعرفة لا تزيد حتماً السعادة، يوازيه قول آخر وهو أن السعادة لا ترتبط حتماً بالسذاجة إلا في حدود معينة. فعلاقة السذاجة بالحكمة تبدو معقدة، تشبه علاقة الخير بالشر، فكلاهما يعتمد على الآخر، يقاس به وإليه. ذلك أن السذاجة لا تكون مفيدة إلا بوجود الحكمة. وكما أن الطفل لا يسعد بسذاجته البريئة إلا بوجود كبار يحرسونه من الأخطار، فالجاهل لا يسعد بسذاجته لو أن الأخيرة قد عمت الأرض، لأن العبث والشر يكونان الغالبين، وعندها يفسد نظام العالم بما لا يدع فرصة لسعادة أي شخص فيه. فلا يمكن شخصاً أن يكون سعيداً وسط جزيرة محترقة أو في قلب بركان نشط.

فلا بد إذاً من حكماء يضعون القواعد ويحرسون النظام، كي يتمكن الجهلاء من الاستمتاع به، وهكذا فبعض السذاجة قد تكون محتملة، وبعض السذج قد يكونون سعداء، أما عموم السذاجة فيفضي الى ألم الوجودي وشر كلي.

ولنضرب مثلاً بسائق سيارة تاكسي محدود المعرفة، فهو لا يميل الى احترام قواعد المرور، ولا يسير في الحيز المفترض أن يشغله، ويمضي مستمتعاً بسوء سلوكه، من دون أن يدري أن متعته تلك تأتي على حساب الآخرىن السائرين بجواره، وأن الكثيرين يمكنهم أن يفعلوا مثلما يفعل بالضبط لو أنهم تحرروا من معرفتهم بخطورة ذلك السلوك النشاز. ولو أنهم فعلوا ذلك لاصطدموا به، ولصار الشارع مقتلة كبرى للجميع، وهو أمر يحدث بعضه في شوارعنا الآن.

وثمة أيضاً مثل الشخص الفاسد، سواء اللص الذي يسرق من خزانة مؤسسته مباشرة أو المرتشي الذي يتواطأ على مصالحها مقابل منفعة. مثل هذا الشخص قد يحقق ثراء سريعاً قياساً الى رفاقه المجتهدين في عملهم والحريصين، على رغم كل عذاباتهم، على شرف مهنتهم وأنفسهم. وقد يتصور الشخص الفاسد أن ما يحصل عليه إنما هو نتاج جرأته أو ذكائه، والحقيقة أن هناك من هم أذكى منه، ولو أنهم فعلوا مثلما يفعل لانهارت المؤسسة سريعاً على رأس الجميع، فما استفاد أحد.

وهذا ما يؤكد أن الشر كالجهل لا يكون مفيداً لصاحبه إلا إذا كان استثناء، يعمل في ظل نظام يقوم عموماً على الفضيلة والمعرفة، فإذا ما عم الجهل كان ضاراً بالجميع، وإذا ما ساد الشر تحطم نظام العالم وبناء الوطن وعم الخراب على الكل.

ويبقي القول أخيرا، إن ثمة مكوناً معنوياً في السعادة، لعله الدليل الباقي على علاقتها القديمة بالحكمة والفضيلة. فعلى رغم أن غالبية اللذات ترتبط لدى عموم الناس بالحواس والغرائز من مأكل ومشرب وملبس وسفر، وغيرها من ملذات مادية، تبقى بعض اللذات المعنوية التي لا يدركها كثيرون لكنها تظل عزيزة جداً على من يعرفونها. فالشعور بالكرامة الإنسانية واحترام الذات الداخلية يمثلان غايات عليا لدى البعض تهون معها أية غاية مادية، على نحو يدفعهم الى الحرص عليها ولو ضحوا في سبيلها بالأموال الكثيرة أو السلطة العالية، لأنهم يدركون أن سيادة المعرفة والحكمة تمثل ضرورة لبقاء العالم، الذي لا يُتصور من دون تلك القيم.

ولأنهم يعرفون ذلك، فإنهم يبذلون الجهد في سبيله، بفعل شعورهم العميق بالمسؤولية عن مجتمعاتهم. ففي باطن ذلك الشعور يكاد يتلامس الإحساس العميق بالواجب، مع الإحساس الأعمق بتحقيق الذات.

هؤلاء الناس الذين يرفضون الرشوة، على رغم حاجتهم الى المال، ويرفضون السلطة إذا ارتبطت بالقهر، هم التعبير الأصيل عن الطبيعة المتسامية للإنسان، الذي لا يحقق رسالته ولا يرتقي تاريخه إلا بتأكيدها، ولذا فالويل كل الويل لعالم يخلو منهم أو مجتمع يندر فيه وجودهم.

* كاتب مصري.

The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Related News
UN calls on Arab world for more solidarity against pandemic
Virus impact could kill over 50,000 children in MENA: UN agencies
Virus cases surpass 200,000 in Gulf states
Mideast economies take massive hit with oil price crash
Trump says US will destroy any Iranian gunboats harassing U.S. ships
Related Articles
From hope to agony, what's left of the Arab Spring?
Democracy in the digital era
Reopening the peace factory
Tackling the inequality pandemic: a new social contract
Global wake-up call
Copyright 2026 . All rights reserved