WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Dec 9, 2012
Source: جريدة النهار اللبنانية
شبح ثورة جديدة يُظللُ تونس بعد أقل من سنتين من سقوط بن علي
غليان شعبي وأزمة حُكم ودستور و"النهضة" أمام اختبار مصيري

سوسن أبوظهر 
بعد أسبوع تحل ذكرى الشرارة التي أطلقها محمد البوعزيزي بجسده المحترق. مرت سنتان والإحباط الذي اعتراه يخيم على كثيرين من مواطنيه. والأزمة الاقتصادية التي تكبل تونس ما بعد الثورة، اكتسبت أبعاداً سياسية خطيرة بعد اضطرابات سليانة والعاصمة بما يهدد التوازنات الهشة في المرحلة الانتقالية ويثير تساؤلات عن مستقبل الحكم.

بلاد "ثورة الياسمين" التي صارت تسمى "ثورة الحرية والكرامة"، تواجه الأزمة الكبرى منذ إطاحة زين العابدين بن علي. ولا يستبعد كثيرون ثورة ثانية على "الترويكا" الحاكمة، وخصوصاً حركة "النهضة" الاسلامية.


لا يشبه الواقع التونسي ما تصوره الدوائر البحثية والإعلامية الغربية. فحيال التدهور في مصر وليبيا والسيناريوات السورية القاتمة، يجري بحث عن نقطة ضوء. إنها تونس. فرئيسها المنصف المرزوقي لم يجنح الى التسلط كما نظيره المصري محمد مرسي، وبينما تجيد "النهضة" مخاطبة العقل الغربي.


هكذا صنفت مجلة "فورين بوليسي" هذا الشهر المرزوقي ثانياً بين مئة مفكر دولي لعام 2012. ووصفت تونس بأنها "كبرى قصص نجاح الربيع العربي". التقويم نفسه كان لدى المعهد الملكي البريطاني للعلاقات الدولية الذي منح المرزوقي وزعيم "النهضة" راشد الغنوشي في 26 تشرين الثاني جائزته السنوية، تقديراً لـ"التسويات الناجحة التي حققها كل منهما خلال المرحلة الديموقراطية الانتقالية. إنهما وجهان لعملة واحدة".
       


تصدع "الترويكا"

غير أن تباين الرجلين، أو لنقل الرئيس و"النهضة"، خرج إلى العلن في أكبر من مناسبة.
فخلافاً لرغبة المرزوقي، سلم رئيس الوزراء حمادي الجبالي، الأمين العام لـ"النهضة"، البغدادي المحمودي، آخر رئيس للوزراء في عهد الزعيم الليبي الراحل العقيد معمر القذافي، إلى طرابلس. ويُقال إن الرئيس خطَ كتاب استقالته ونصحه معاونوه بالعدول عنها تفادياً لأزمة سياسية.


و رأى المرزوقي منتقداً تعامل الجبالي مع انتفاضة سليانة، أن "المصلحة العليا تقتضي حكومة كفايات مصغرة لا تقوم على المحاصصة الحزبية"، لأن "الأداء الحكومي لم يكن في مستوى ما ينتظره الشعب". ولوح مسؤولون في "النهضة"، بينهم وزير الصحة عبداللطيف المكي، بإقالة الرئيس بموجب المادة 13 من القانون التأسيسي عدد 6 لسنة 2011 من التنظيم الموقت للسلطات العمومية.
وهذه الخطوة قد تُدخل البلاد مرحلة مبهمة. فالمجلس الوطني التأسيسي يعمل ببطء غير مبرر. وثمة من يرى أنه  وسلطة "الترويكا" المنبثقة منه التي تضم "النهضة" والمؤتمر من أجل الجمهورية الذي ينتمي إليه المرزوقي  والتكتل من أجل العمل والحريات،  بلا شرعية منذ 23 تشرين الأول. ففي ذلك اليوم كان يُفترض أن تضع المرحلة الانتقالية أوزارها، وتتجه البلاد، بدستورها الجديد، إلى انتخابات نيابية ورئاسية تأجلت إلى حزيران. لا يمكن القول إن تونس في فراغ، لكنها "تواجه دوامة عنف وسيناريو فوضى، الأمور معقدة والمستقبل مجهول. الأزمة الاقتصادية في أوجها، والفئات المهمشة في المناطق الداخلية فقدت الأمل في الإصلاح وتستعد لثورة ثانية"، على ما قالت لـ"النهار" الصحافية حنان زبيس.


الشارع يغلي

معدل البطالة 18 في المئة، أي أن نحو 750 ألف شخص عاطلون عن العمل. وفي سليانة التي تبعد 120 كيلومتراً جنوب غرب العاصمة، بدا لأيام خمسة أن الزمن عاد إلى سيدي بوزيد 2010.
طالب السكان بالتنمية الاقتصادية وبإنهاء التهميش الموروث من عهد بن علي وإطلاق أبنائهم الموقوفين منذ نيسان 2011 من دون محاكمة، وعزل الوالي أحمد الزين المحجوبي المقرب من "النهضة". فزجت الحكومة بالجيش في مواجهتهم، واستُخدم الغاز المسيل للدموع ورصاص الصيد المحظور دولياً. أصيب 320 شخصاً، وفَقَدَ عشرات بصرهم، وأعاد العنف المفرط إلى الأذهان ممارسات بن علي.


والأحد الماضي عُلق الإضراب بعد اتفاق الاتحاد العام التونسي للشغل والحكومة على "تهدئة الأوضاع"، وذلك غداة تراجع الجبالي عن التمسك بالوالي وإبداله بنائبه. غير أن التسوية صمدت ثلاثة أيام، وحصلت المواجهة الجديدة في العاصمة نفسها، واتخذت أبعاداً تتجاوز الواقعين الاقتصادي والاجتماعي، إذ بدا أن "النهضة" شهرت سلاح الإسلاميين في مواجهة اليسار والليبراليين.


ورقة الإسلاميين

الثلثاء هاجم شبان من "الرابطة الوطنية لحماية الثورة" تظاهرة للاتحاد في ساحة محمد علي بالعاصمة. وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي أشرطة لإسلاميين يضربون الناشطين النقابيين بالسكاكين والعصي والهراوات. وأمس عاد أنصار الرابطة الى الشارع مطالبين بتطهير الاتحاد من "بقايا الديكتاتور" بن علي. "الرابطة" تضم جماعات مسلحة رُخص لها في حزيران لخدمة مصالح "النهضة". وتتضارب الروايات عنها ، يصفها البعض بأنها "كتائب سلفية"، وأهدافها تتجاوز تونس إذ أرسلت شباناً للقتال في سوريا. ويشبهها آخرون بـ"الباسيج" أو الميليشيات الإسلامية في إيران. وفيها كذلك "إسلاميون جدد" من أنصار النظام السابق.


ولا بد من التسجيل أنه في ظل تشرذم أحزاب المعارضة، فرض الاتحاد العام التونسي للشغل نفسه قوة سياسية في مواجهة "النهضة"، مستنداً إلى تاريخه ودوره في مواجهة الاستعمار الفرنسي، وحُسن تنظيمه وانتشاره الكبير في الولايات الـ24.


كذلك برز حزب جديد هو "نداء تونس" بزعامة رئيس الوزراء السابق الباجي قائد السبسي. والأخير يجاهر بمواقف حادة من الإسلاميين، وخصوصاً السلفيين الذين طبع العنف حراكهم، من ترويع المثقفين والسيطرة على مساجد وتدمير مقامات صوفية وافتعال اضطرابات في جامعة منوبة، إلى الهجوم على السفارة الأميركية في أيلول الذي تبنته جماعة "أنصار الشريعة". يقول الباجي قائد السبسي إن "الغنوشي سلفي. لا يقبل أن أحداً يمكن ألا يؤمن بالله".


وهذا الأمر لمح إليه المرزوقي في مؤتمر عن السلفية استضافه الشهر الماضي في قصر قرطاج، إذ لاحظ أن "بعض السياسيين غضوا الطرف، لاعتبارات انتخابية، عن هذه الجماعات التي تسعى إلى الحلول مكان الدولة". وكان شريط مسرب للغنوشي مع سلفيين أثار جدلاً، وبرره بأنه حاول إقناعهم بالعمل في أحزاب مرخصة، وفي ظل القانون.


لكن أي قانون يرضى به "أنصار الشريعة"، وبينهم موقوفون سابقون في إيطاليا بتهم الإرهاب والانتماء إلى تنظيم "القاعدة"؟ وقائدهم سيف الله بن حسين الملقب "أبو أياد" (47 سنة) يتوعد "الصليبيين" بـ"فشل ذريع" لمخطط "انتزاع الإسلام من هذه الأرض"، بعد محاولاتهم في العراق والشيشان والصومال وأفغانستان حيث ساهم في اغتيال القائد الطاجيكي أحمد شاه مسعود عشية هجمات 11 أيلول 2001؟ أوليس ازدراء القانون ما دفع مشتبهاً فيهما في الهجوم على السفارة الأميركية إلى الإضراب عن الطعام حتى الموت تفادياً للمحاكمة؟...


من أجل معرفة مسار الأزمة السياسية، لنراقب أمرين. تطور الحراك السياسي-الشعبي، مع إعلان "الاتحاد العام التونسي للشغل إضراباً وطنياً جامعاً في 13 كانون الأول، وهو تصعيد كبير، حدث مرة في 1978، والعام الماضي قبيل سقوط بن علي. وكذلك الإشارات التي يطلقها الغنوشي. فهو دعا الأربعاء إلى تفتيش مقار منظمات المجتمع المدني لإخلائها من "الميليشيات". وكان توقع في لندن على هامش تسلمه الجائزة أن تكون للحركات الإسلامية اليد العليا في حكم البلدان العربية بعد مراحل انتقالية صعبة. وقال لصحافيين أتراك إن ما تشهده القاهرة ستكون له ارتدادات في تونس لأن "مناهضي المسلمين في مصر يقومون بالمثل" في بلاده. وهو بذلك أغفل الجوانب السياسية للأزمتين في البلدين وأعطاها مظهراً دينياً، مع أنها معضلة حكم، حكم الأحزاب الإسلامية في "الربيع العربي".



 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Related News
Tunisair workers to strike on Friday, union says
Tunisia PM designate to form technocratic govt without parties
Tunisians emerge from lockdown into mosques and cafes
Tunisians protest over jobs amid economic downturn
Hundreds of Tunisians blocked by virus on Libya border crossing
Related Articles
Crime, excessive punishment in Tunisia
How President Béji Caid Essebsi Helped Build Tunisia's Democracy
Can Tunisia’s democracy survive the turmoil?
Tunisian politics between crisis and normalization
A community approach to militants’ rehab in Tunisia
Copyright 2026 . All rights reserved