لا تزال الاحداث الميدانية المتسارعة في سوريا أقوى من ايقاع الحركة الديبلوماسية التي تعتبر زيارة وزير الخارجية الاميركي جون كيري لموسكو ابرز محطاتها الاسبوع المقبل، فيما ينتظر العالم نتائج التقويم الذي يجريه الرئيس الاميركي باراك اوباما لسياسته حيال سوريا في ضوء التقارير التي تحدثت في الايام الاخيرة عن استخدام محدود للاسلحة الكيميائية في الحرب الدائرة في هذا البلد منذ اكثر من سنتين. ولا يبدو ان القرار الذي سيخرج به اوباما سيبقى معتمداً على الحصول على معلومات مؤكدة عن استخدام الاسلحة الكيميائية، او عن النتائج التي سيعود بها كيري من محادثاته في موسكو، بل ان احداثاً ميدانية مثل مجزرة قرية البيضا قرب بانياس في محافظة طرطوس الساحلية قد تعجل في حسم القرار الاميركي.
وغداة مجزرة البيضا التي راح ضحيتها 51 شخصاً، اعلن "المرصد السوري لحقوق الانسان" الذي يتخذ لندن مقراً له ان القوات السورية النظامية قصفت الاحياء السنية في جنوب مدينة بانياس. وقال: "استشهد شاب واصيب والده بجروح إثر سقوط قذائف على حي راس النبع في المنطقة الجنوبية بمدينة بانياس". واشار الى اطلاق نار كثيف في الحي ايضاً، والى احتراق عدد من المنازل. واضاف ان "هناك تخوفا كبيرا لدى الاهالي من مجزرة قد تحصل من جراء القصف وذلك لاحتواء الاحياء الجنوبية في المدينة على اعداد كبيرة من النازحين والمواطنين العزل". وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن ان "الاحياء السنية في المدينة تتعرض للقصف والقرى السنية جنوب المدينة كذلك، والطرق الى اللاذقية وطرطوس تنتشر عليها حواجز للقوات النظامية، مما يجعل فرار السنة الى مناطق اخرى امرا مستحيلا". وتساءل "ماذا ستفعل الامم المتحدة؟ تترك هذه الاقلية السنية في محيط علوي محاصرة؟".
وعرض المرصد شريطا مصورا في موقع "يوتيوب" عن البيضا يظهر جثث قرابة 12 رجلا بملابس مدنية وممددين على الارض، وغالبيتهم وجوههم تواجه الارض وغارقة في بقع من الدماء. كما يظهر ان بعض الجثث كان متلاصقاً. وقال ان "الشبيحة" الموالين للنظام هم الذين ارتكبوا "المجزرة".
ووصفت المعارضة السورية المجزرة بأنها جريمة إبادة، مشيرة إلى أن عدد الجثث التي عثر عليها حتى الآن وصل إلى أكثر من 350 جثة، وقد أعدمت عائلات بأكملها ودكت المنطقة بقذائف الهاون.
وقال وزير الخارجية الأميركي خلال احتفال اتحاد الديبلوماسيين الأميركيين العاملين في وزارة الخارجية الأميركية لتذكر الضحايا من الديبلوماسيين الأميركيين الذين قتلوا خارج الولايات المتحدة في حضور نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، إن فظائع النظام السوري والقوات الموالية للرئيس بشار الأسد في مجزرة قريتي البيضا الساحلية والمقرب المجاورة لها في محافظة طرطوس في سوريا تثير الاشمئزاز.
وأعرب مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية عن صدمة بلاده لمقتل عدد كبير من السوريين في المجزرة، وحمل جيش النظام وشبيحة الاسد مسؤولية ارتكاب هذه الجريمة. واكد أن كل المسؤولين عن مرتكبي تجاوزات وانتهاكات حقوق الانسان سيحاسبون في المستقبل أمام العدالة السورية والدولية، وذلك في ضوء بيانات الجمعيات الحقوقية التي تتولى تصوير وتوثيق الفظائع في سوريا.
وقال الناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية فيليب لاليو في بيان صحافي إن باريس تعرب عن سخطها عقب المجازر التي استهدفت قرية البيضا. وأوضح أن هذه المجازر التي ترتكبها الميليشيات والجيش تظهر "وحشية النظام، الذي يواصل سياسة الأرض المحروقة ويدفع في إتجاه المواجهة الطائفية".
لافروف
وفي ليوبليانا عاصمة سلوفينيا ، سئل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عما نشرته صحيفة "الواشنطن بوست" الخميس عن استعداد رئيس المجلس العسكري لـ"الجيش السوري الحر" العميد سليم ادريس لبدء حوار مع روسيا فوراً، فأجاب :"كما أفهم، المقصود هنا تصريح شخص يدعى الجنرال إدريس. إذا كان الأمر كذلك، فأنا بصراحة لم أسمع عنه. ولكن، مبدئياً، أستطيع القول إننا منفتحون للحوار مع جميع المعارضين".
وأشار إلى أن الأطراف الذين يتحدثون عن احتمال تصدير الأسلحة إلى المعارضة السورية يراهنون على الحل العسكري. وقال: "إن الحديث عن إمكان تزويد المعارضة الأسلحة والمعدات القاتلة أو غير القاتلة، يدل على الرهان على الحل العسكري، لا السياسي". وأضاف: "يجب على الذين يتحدثون عن الحل العسكري أن يفهموا أنهم سيدفعون لتحقيق مصالحهم الجيوسياسية بالمزيد من الضحايا في سوريا". وأعلن أن موسكو تتوقع مواصلة الحوار في شأن سوريا مع الطرف الأميركي خلال زيارة كيري لروسيا وأن واشنطن خلال اتصالاتها الأخيرة مع موسكو عن سوريا أكدت تأييدها للحل السياسي لا العسكري للنزاع. وأعرب عن معارضة موسكو لاستغلال قضية اللاجئين السوريين لايجاد ممرات إنسانية أو فرض مناطق حظر طيران في سوريا.
قصف بانياس
في غضون ذلك، تتعرض الاحياء السنية في جنوب مدينة بانياس الساحلية السورية لقصف من القوات النظامية، غداة مقتل 50 شخصا في قرية سنية قريبة من المدينة. وقال "المرصد السوري لحقوق الانسان" الذي يتخذ لندن مقرا له: "تتعرض مناطق في الاحياء الجنوبية لمدينة بانياس للقصف من القوات النظامية، وسقطت قذائف على احياء رأس النبع ورأس الريفة واطراف حي القبيات وبطرايا، رافقها اطلاق نار كثيف من الحواجز العسكرية". وابدى "مخاوف من مجزرة في حق الاهالي على غرار مجزرة قرية البيضا"، مشيرا الى "حال من الذعر بين السكان". وأكد سماع أصوات اطلاق رصاص كثيف في البيضا وتحدث عن "حملة دهم واعتقالات طاولت عددا من المواطنين في قرية البساتين في ريف مدينة بانياس الجنوبي".
وندد "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" في بيان بـ"وقوع احداث ترقى الى جريمة ابادة جماعية" في القرية، مشيرا الى ان "قوات الاسد مسؤولة بشكل مباشر" عما جرى. واعتبر ان "هذه الجريمة" تستدعي "تدخلا عاجلا من مجلس الامن"، وطالب "الجامعة العربية والامم المتحدة بالتحرك السريع لانقاذ المدنيين في بانياس وغيرها من محافظات سورية". ودارت الخميس معارك عنيفة للمرة الاولى بين القوات النظامية ومقاتلي المعارضة قرب مدينة بانياس المختلطة بين الطائفتين السنية والعلوية التي ينتمي اليها الرئيس بشار الاسد. وغادرت غالبية الشبان السنة منطقة بانياس بعد الحملة العسكرية التي نفذتها القوات النظامية في ايار 2011، بعد شهرين من بدء الاحتجاجات المعارضة لنظام الرئيس الاسد منتصف آذار 2011.
وتمثل الحدث الامني البارز امس في اطلاق مقاتلين معارضين فجرا قذيفتين على مطار دمشق الدولي، كما أفادت الوكالة العربية السورية للانباء "سانا"، فشب حريق في احد خزانات الوقود واصيبت طائرة على ارض المطار باضرار. ولم تتبنَّ اي جهة اطلاق القذيفتين، بينما بث التلفزيون السوري الرسمي شريطا من المطار ومقابلات مع مواطنين ليؤكد ان الحادث لم يؤثر على الحركة.
وقالت "سانا": "شبّ حريق في أحد خزانات الكيروسين في مطار دمشق الدولي من جراء قذيفتين أطلقهما ارهابيون على المطار فجر اليوم (امس) قبل ان تتمكن فرق الاطفاء من السيطرة على الحريق بشكل كامل"، مشيرة الى ان القذيفة الثانية "اصابت احدى الطائرات التجارية المركونة في ارض المطار". واختار الناشطون المعارضون شعارات لتظاهرات الجمعة ضد النظام "بخطوطكم الحمر يقتل السوريون"، في اشارة الى تأكيد الرئيس الاميركي باراك اوباما سابقا ان استخدام الاسلحة الكيميائية هو "خط احمر" سيغير "قواعد اللعبة" وعدم تحرك الاميركيين على رغم اقرارهم بان النظام استخدم هذه الاسلحة على نطاق محدود.
خبراء بريطانيون
■ في لندن، أعلنت وزارة الخارجية البريطانية، أن الفريق الأول من الخبراء في المملكة المتحدة انتشر على الحدود السورية، لتوفير التدريب على جمع الأدلة عن انتهاكات حقوق الإنسان. وقالت إن فريق الخبراء يضم ضابطين سابقين في الشرطة البريطانية يتمتعان بخبرة واسعة في التحقيق في جرائم العنف الجنسي وخصوصا خلال الأزمات، مشيرة الى أنه انتشر على الحدود السورية لتوفير التدريب على جمع الأدلة وإعدادها وتوثيقها وتخزينها. وأضافت أن منظمات حقوق الإنسان "أصدرت منذ تصاعد الصراع في سوريا العام الماضي عددا كبيرا من التقارير عن تزايد الانتهاكات والتجاوزات لحقوق الإنسان، بما في ذلك استخدام العنف الجنسي ضد النساء والرجال والأولاد، وتشير التجارب من الصراعات الأخرى إلى أن انعدام الاهتمام الفوري بتوثيق الأدلة وتسجيلها في هذه الجرائم البغيضة سيقلل احتمال ملاحقة مرتكبيها في المستقبل".
الصحافي فولي
■ في بوسطن صرح ناطق باسم عائلة الصحافي الاميركي جيمس فولي المفقود منذ ستة اشهر في سوريا، بانه قد يكون محتجزا لدى اجهزة المخابرات السورية في مركز اعتقال قرب دمشق. وهذا الصحافي البالغ من العمر 39 سنة والذي اجرى تحقيقات لـ"غلوبال بوست" و"وكالة الصحافة الفرنسية" ووسائل اعلام دولية اخرى، خطف في شمال غرب سوريا في 22 تشرين الثاني 2012 وفقد اثره مذذاك. |