عمان - عمر عساف خصص مجلس النواب الأردني جلسته اليوم الأحد لمناقشة استفحال ظاهرة العنف الجامعي التي تمتد سريعا لتطاول الشارع والعشائر. المناقشة أقرت على خلفية الأحداث الدامية التي جرت في جامعة الحسين بن طلال في مدينة معان وسقط ضحيتها أربعة أشخاص، بينهم موظف في الجامعة وثلاثة طلاب، إلى إصابة 30 آخرين بعضهم من خارج الجامعة.
غير أن البرلمان، الذي يحضر الآن في مناقشة هذه الظاهرة المقلقة، غاب بالكامل، كمؤسسة، عن تداعيات المشاجرة الطالبية التي استخدمت فيها الأسلحة الأوتوماتيكية، طوال الأيام الستة الماضية، تماما كما غابت الحكومة وأجهزتها الأمنية. وهو ما جعل الفوضى والفلتان الأمني يسودان محافظة معان والبادية الجنوبية، بسبب المناوشات والاشتباكات وإغلاق الطرق وإقامة حواجز التفتيش عليها، مذكرة بعهد أمراء الحرب في لبنان إبان الحرب الأهلية.
إثنان من الضحايا من أبناء مدينة معان، والآخران من قبيلة الحويطات، كبرى قبائل الجنوب التي تقع مضاربها في أكناف معان وحولها.
وعلى رغم إقفال أبواب الجامعة، مبدئيا حتى اليوم، مع فتح الباب لفترة أطول، إلا أن المنطقة بأكملها سادها التوتر طوال الأيام الستة الماضية، مع إغلاق الطريق الدولي (الصحراوي) المؤدي إلى ميناء العقبة وإلى الحدود مع المملكة العربية السعودية. وهو ما جعل المعانية يناشدون الملك التدخل لحل الأزمة قبل أن تنفلت من عقالها.
منطق القبيلة
في غضون ذلك، تدخلت الوجاهات العشائرية من مختلف أنحاء البلاد لحقن الدم وتهدئة الوضع ووضع حد للتصعيد ولهجة التهديد والوعيد بالانتقام، خصوصا من أبناء قبيلة الحويطات الذين أصدروا بيانا شديدا هددوا فيه بإهدار دم المعانية ما لم يقبض على قتلة ولديهم ويفرج عن شبابهم الموقوفين على خلفية المشاجرة، خلال يومين.
الوفود والوجاهات العشائرية التي توسطت بين معان وباديتها، تمكنت من تحقيق التهدئة وحصلت على مهلة من أبناء معان لمدة شهر ومن الحويطات لمدة عشرة أيام، وهي مهلة رأوا أنها "كافية إذا ما أرادت الدولة كشف الجناة وتوقيفهم".
التحركات العشائرية بدأها الناشط والمعارض السياسي ليث شبيلات، الذي تدخل ووفداً من شيوخ محافظة الطفيلة القريبة بعدما لاحظ أن غياب السلطات فتح الباب على التصعيد، وتمكن من التهدئة ليومين، لتأتي بعده زعامة تمثل جميع عشائر المملكة.
كل هذا حدث في غياب غير مفهوم أو مبرر من الحكومة وأجهزة الأمن، ما أثار الكثير من التساؤلات حول الغاية من هذا الغياب أو ما إذا صارت الدولة عاجزة إلى هذا الحد.
وذهب بعض التكهنات إلى أن النظام رأى في ما يحدث فرصة لإشغال الأردنيين عما ترتب له شمالا على الحدود مع سوريا للتدخل في الأزمة السورية بالتنسيق مع الولايات المتحدة. وهو ما استدعى القصر لإرسال وفد برئاسة الأمير غازي بن محمد ورئيس الوزراء عبدالله النسور ومستشار الملك لشؤون العشائر الشريف فواز زين الجمعة للتهدئة، وتلتها زيارة وزير الداخلية الفريق حسين المجالي الذي طلب من الجانبين وقف إغلاق الطرق وتعهد السير في التحقيقات بالسرعة القصوى.
لكن المجالي سمع من الجانبين كلاما قاسيا دار حول لوم الحكومة على التأخر في معالجة القضية، وأن "الدولة لم يبق لها هيبة".
هذه الكلمات لخصها بشكل آخر الشيخ هاني الحديد الذي كان ضمن زعامة العشائر الأردنية، عندما قال للمعانية إن "الامن الذي يتمتع به ابناء الاردن سببه الشعب لا السلطات كما يردد بعض المسؤولين"، وأكد أن "قانون العشائر افضل من القوانين المدنية (...) والقوانين التي تأتي إلينا من فرنسا".
الدولة غائبة
ما حدث في جامعة الحسين وامتداداته ليس المرة الأولى، وإن لم تأخذ الحوادث هذا الحجم، فقد سبقتها في الجامعة نفسها وفي جميع الجامعات الأردنية الحكومية والخاصة الـ27. وقبل أكثر من شهر شهدت جامعة مؤتة الحكومية حادثة مماثلة قتل فيها طالب، وأغلقت الجامعة كالعادة لأيام.
العنف الجامعي بات ظاهرة شبه يومية جعلت المجتمع الأردني ينظر بقلق شديد إلى تمدده وتوسعه وانتشاره خارج أسوار الجامعات.
ويعتقد المحلل السياسي فهد الخيطان، الكاتب في يومية "الغد"، أن ظاهرة العنف في الجامعات في السنوات الأخيرة هي امتداد أو مظهر لأزمة طالت واستفحلت، وهي تتمثل في "تنازل الدولة عن مبدأ سيادة القانون لحساب قوى اجتماعية وأفراد من أصحاب النفوذ والتغاضي عن التجاوزات على القانون".
ويؤكد الخيطان صحة ما سمعه المجالي في معان، بقوله إن "إدامة السلطة على حساب القانون (...) وحلول العلاقة الزبونية والواسطة والمحسوبية جعل هيبة الدولة تسقط من أعين الناس".
ويؤيد مدير مركز القدس للدراسات عريب الرنتاوي ما ذهب إليه الخيطان. ويقول: "لقد نسينا "الدولة" ومنطقها وقانونها وسيادتها وهيبتها وأدواتها. نسينا أن الإفلات من العقاب تحت أي عذر أو مبرر، هو العامل الرئيسي الذي يشجع على انتهاك القانون والخروج عليه".
ويذكّر الرنتاوي بأن "وجود مخفر بثلاثة أنفار كان كافيا لإشاعة الأمن والأمان وفرض هيبة الدولة، في أي من البلدات الأردنية عندما كان هم الدولة تطوير المجتمع وتمدينه وتعميق مفهوم المواطنة وفرض الأمن ومؤسسة القانون وفرض حضورها". ويرى أن الدولة "تستقيل من واجباتها ليس لصالح مؤسسات أكثر تجسيدا للحداثة وإنما لمؤسسات سابقة عليها تقوم على رابطة الدم القرابية".
ويحمل مراقبون وأكاديميون سياسة الالتحاق في الجامعات، الحكومية بالخصوص، التي تعتمد بشكل كبير على الاستثناءات، ما سمح بالتحاق كثيرين ممن لا تسمح لهم معدلاتهم في الثانوية العامة بدخولها وفق التنافس الحر.
كما يلفتون إلى تأثير تدني مستوى التعليم العالي في السنين العشر الأخيرة، وتراجع مخرجات التعليم الجامعي بعدما كانت جامعات المملكة من أبرز المؤسسات الاكاديمية في المنطقة العربية. الخيطان يعتقد أن مقترحات إعادة النظر في سياسة القبول الجامعي ومراجعة الخطط الدراسية ومنح الحرس الجامعي حق الضابطة العدلية وغيرها من المقترحات ستساهم في الحد من ظاهرة العنف، لكنه يشدد على أن الحلول الجذرية "خارج الحرم الجامعي وليس داخله".
وزير الداخلية السابق سمير حباشنة يطالب بحلول جذرية ليست تسكينية، اولها: "اعادة الخدمه الوطنية (العسكرية) فورا، لأنها هي التي تعيد الألق للهوية الوطنية التي تندحر اليوم امام الانتماءات الضيقة". ويدعو إلى "تشجيع الشباب وطلاب الجامعات على الانخراط في اطارات الشأن العام، وفي الوقت عينه "عدم التهاون في تطبيق القانون".
ويدعو الرنتاوي "الدولة" إلى أن تحسم أمرها،.فإما أن تستعيد دورها ووظائفها، وتضع نفسها ومجتمعها على سكة الحداثة والعصرية، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وإما أن تقبل بالتآكل والتراجع والضمور، تاركةً فراغاً لن تملأه سوى "البنيات الاجتماعية" القائمة.
ويحذر الخيطان من أنه إذا لم تفق الدولة من غفوتها وتستعيد زمام المبادرة فإن "الرابطة الوطنية ستنهار". فهل تصحو؟ |