WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Dec 27, 2010
 
خــــــاووس

بقلم ياسين الحاج صالح 

1


ليس هناك سؤال في أننا اليوم في أزمة معقدة وعميقة. لكني موزع النفس بين تصورين لهذه الأزمة. تصور عقلاني، يميل إلى شرحها بلغة العلوم الاجتماعية (الاقتصاد والسياسة والسوسيولوجيا والجغرافيا السياسية...)، وإلى اقتراح معالجات عقلانية بدورها من نوع الإصلاح السياسي والحريات العامة والنمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والإصلاح التعليمي وما إلى ذلك. وهناك تصور آخر، "غير عقلاني"، يقدِّر بالأحرى أننا في أزمة ثقافية أساسية، بالمعنى الواسع لكلمة ثقافة، أي حين تحيل الكلمة على مجمل النظام الاجتماعي وأسسه الفكرية والقيمية والتنظيمية، والسياسية. لأزمة كهذه، ليس ثمة معالجات عقلانية وتخصصية، بل معالجات تأسيسية، تشمل إعادة هيكلة جذرية لميراثنا الثقافي، والديني منه بخاصة، في اتجاه تشكّل نظام ثقافي جديد ووعي جديد. الأزمة تحديداً، أزمة الإسلام كثقافة تاريخية وكدين وكحركات سياسية، ولا أرى الخروج منها ممكنا من دون استكمال نوع السيادة السياسية والعقلية من الإسلام، وتحويله نهائيا إلى دين، يتحرك بحرية في نطاقي الخاص ودون العام. نحن هنا اليوم، في قلب أزمة الإسلام.


أجد تعبير "أزمة قربانية" أو "ذبائحية" (رينه جيرار، في "العنف والمقدس") مناسبا لتسمية الأزمة الأساسية، والإيحاء بعمقها وجذريتها. تتمثل الأزمة القربانية في انحلال الثقافة كنظام فوارق واختلافات وتمايزات، واختلاط كل الأشياء والقيم، وتفكك كل إجماع ممكن، واحتدام الانفعالات واضطراب النفوس جميعا وتشوش الأذهان. العنف المنفلت والواسع سمة جوهرية للأزمة القربانية، بقدر ما إن هذه تعني أصلاً تفكك القواعد والضوابط التي تمنع سيلان العنف في المجتمع.


في ظل أزمة كهذه، تختلط الدولة بالدين والدين بالعلم والعلم بالتقليد والقانون بالإكراه والأمن بالخوف والإيمان بالامتثال والمقدس بالمبتذل والأخلاق بالرياء والأخ بالعدو والمثقف بالمهرج والسياسي بالقاتل والطارئ بالدائم والحاكم بالجزار. ولا يتميز قديس من مجرم، وبطل من سفاح، وعظيم من وضيع ...، ولا ماض من حاضر، أو داخل من خارج. خاووسٌ شامل بلا نظام ولا جهات ولا مركز ولا نقاط علام ولا خرائط. ولا عدالة.
على رغم أن تصورَي الأزمة هذين متعارضان، أميل إلى وجوب الاحتفاظ بهما معا، وتطويرهما معا.


يبدو لي أننا نعرف الآن صيغة منحطة عن كلٍّ من المقاربتين، العقلانية والأساسية. المقاربة العقلانية تنحطّ إلى وصفات شكلية، متنازعة في ما بينها، لكنها تتشارك في كونها فقيرة معرفيا ومعدومة الخيال. وهي تحيل على الإيديولوجيات المتداولة: الديموقراطية، الاشتراكية، العلمانية، القومية، الإسلامية... إلخ. أما المقاربة الأساسية فتنحطّ إلى منهج ماهوي، يفسر التاريخ بالطبائع والماهيات، أي بالثقافة وحدها، مقلّصةً إلى الدين، مقلّصاً إلى الإسلام، مع توظيف سياسي محافظ لهذا المنهج التفسيري الرث. المقاربة الأولى تخفق في شرح الواقع، لذلك تتخبط وتدور حول نفسها دونما تقدم. والمقاربة الثانية تخفق في اقتراح مخارج عملية منه. لذلك هي مأزومة ومتشائمة. ولذلك تنضوي تحت جناح الأقوياء. 

2


يخيفني النضال من أجل نشر الخوف وتعميمه. بخاصة مثابرة الحكومات على نشر الخوف، بمشاركة نشطة من مثقفين، يجتهدون أيضا في نشر التشاؤم. الطرفان شريكان في نشر الجهل وحراسته، جهل الناس لواقعهم، وجهلهم لبعضهم، وتالياً انعزالهم عن بعضهم وانعدام الثقة في ما بينهم. الخوف هو البيئة النفسية المناسبة لانتشار الهستيريا والخرافات والفاشية. الغرض من نشره دفع الناس إلى التماس الأمن من الأقوى، أي تلك الوكالات الأمنية الحاكمة التي لا تملك حلولاً لمشكلاتنا، بل التي تمسي هي "الحل" في مناخات الأزمة والتشوش العام والخوف المعمم. ظاهرٌ أن المثقفين الخائفين المخوِّفين، الناشرين للتشاؤم، يرتاحون عموما للحكومات الأشد تسلطية، وترتعد أوصالهم من عامة الناس. هذا مفسد للثقافة وللمثقفين.
لكن لعل هذا كله من مظاهر أزمتنا الثقافية الكبرى.

3


يثير نفوري، أكثر مما يخيفني، نمط المثقف المنتشر اليوم في سوريا والمشرق. أنانيته وقلة إخلاصه، ترفّعه الكاذب على السياسة، وبخاصة تماهيه السهل بالأقوياء، أو بالأصول، حين ينتظر أن يكون المثقف هو اللامتماهي بامتياز: لا يتماهى بأحد، ولا يركن للماهيات، ولا يشرح الواقع المتغير بالهويات الثابتة.


لم يبتعد مثقفون كثيرون عن العمل السياسي قبل نحو جيل إلا كي يمارسوا في الثقافة سياسة أضيق أفقاً وأكثر عصبوية وأقل ديموقراطية، وكي يكافحوا بعناد ضد أي تصور "عقلاني" أكثر تركيباً، أو تصور "غير عقلاني" أكثر تخيلاً. في المحصلة، هم اليوم "مناضلون"، لكن من دون قضية عامة. حين لا يكونون بلا قضايا، فإن قضاياهم حزبية وجزئية، تتشكل حولها عصب وأحزاب ثقافية، تجد نفسها في بيتها في عالم الطوائف والقبائل، من دون أن تكون أوفى من هذه بمطالب الترقي الثقافي والأخلاقي.


المفارقة أن مساهمة هؤلاء "المعنويين" المفترضين متواضعة، في بيان معنى خاووسنا الحالي أو كشف معقوليته. لكن هذا يجعل المثقفين بالذات لا معنى لهم. وهو أيضا مصدر للامعنى في حياتنا العامة والخاصة. اللامعنى الذي هو جوهر أوضاعنا الراهنة في تقديري. نعيش حياة فقيرة بلا معنى، أي بلا ثقافة. بدل المعنى هناك إيديولوجيات، وهناك "حلول". وهناك طبعا سلطات معصومة. وتقديري أن الإملاق المعنوي، أكثر حتى من العوز المادي ومن الفقر السياسي، هو مبعث الشعور العام بالحصار والبؤس. المشكلة أن أحدا لا يكاد يتساءل عن معنى وضعنا اليوم ومعقوليته. تمادي هذا الشرط، أي أن نتعفن بلا نهاية، هو أكثر ما يقلقني.

4


لديَّ نقطتان في شأن "خواء الحياة الثقافية". الأولى أن نوعية قراءاتنا وتشخيصاتنا للحال الراهنة، تحول دون ثقافة وفكر وفن أرفع. هذه التشخيصات تبسيطية مبتذلة، تعرف بيقين أين المشكلة، وأين الحل، فلا تخوض صراعا مأسويا ضد واقع فوضوي أعجم، ولا تعمل على توليد معنى من عناء بالغ القسوة، ولا تتملكها الحيرة أمام عالم متاهيّ موحش. المشكلة هنا أو هناك أو هنالك. والحل معروف، مذهبنا أو ديننا أو سلطاننا. ليس الإسلاميون وحدهم من يَعرفون الحل. من ينكرون أن "الإسلام هو الحل"، يفعلون ذلك لأنهم يعرفون حلاًّ آخر، ويتماهون بحلّ آخر، وليس لأنهم متشككون في فكرة الحل أو منحازون لتصور للعالم مفتوح على اللانهاية. ولما كانت الحلول متناقضة، فلا بد أن الآخرين وحلولهم هم المشكلة. فإذا تخلصنا منهم، انحلّت المشكلات وطابت الحياة. هذه هي آلية القربان أو كبش الفداء الملازمة للأزمة القربانية. وليس من المبالغة القول إن أكثر ثقافتنا العالمة بالذات ترتدّ إلى آلية كبش الفداء، من دون وعي منها بذلك.    
لكن هذا يثمر إيديولوجيات، وليس ثقافة. ويُحوِّل المثقفين وكلاء لهذه الإيديولوجيات، و"مناضلين" في خدمتها.


النقطة الثانية، تعلّق على ذيل السؤال: "هل لا تزال مقولة الأنظمة الديكتاتورية والقمعية كافية لتبرير هذا الخواء؟". في رأيي، ليس من الصواب في شيء التحول من تفسير مشكلاتنا كلها بديكتاتورية الأنظمة (هذا انحطاط للطرح الديموقراطي، العقلاني) إلى إغفال هذا البعد الرئيسي من أبعاد الواقع. النظام في كثير من بلداننا مضخة هائلة، مستقرة مستمرة، للانظام والفوضى والتبديد والوحشية. ويسير التحول المطرد نحو الحكم العائلي في بعض بلداننا التي لم يكن الحكم فيها عائليا مع الطابع الطغموي للحاكمين. طغم مليارديرية، تحبّ المال حباً جماً، ولا ترضى بأقل من الحكم مدى الحياة. يمكن بسهولة إيراد حكايات صغيرة وكبيرة تدلّ على الخراب المهول الذي تلحقه هذه الطغم ببلدانها. الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة تشهد على الدور التدميري الرهيب لنظام حاكم، نعرف أيضا أنه يوقف البلاد منذ سنوات على قدم واحدة كي يورّث الحاكم الثمانيني ابنه حكم البلاد. هذا يحكم على إغفال دور "الأنظمة الديكتاتورية والقمعية" في أوضاعنا العامة (إغفال يغري عددا متزايدا من المثقفين) بأن يكون عملاً غير مسؤول، سياسيا وفكريا وأخلاقيا، وليس فقط خطأ معرفيا. علماً أن تلك الطغم ناجحة عموما في تسويق نفسها عالميا، وفي تخويف أقوياء العالم من محكوميها المتوحشين، وفي نيل استحسانهم العام لدورها. وهي تجد في ازدهار الرجعية العالمية، وقد ساهمنا فيها بالأصولية الإسلامية العنيفة وبتلك الطغم القاتلة ذاتها، مناخاً مناسبا لدوامها.  

5


تقديري أن أزمتنا القربانية مستمرة لعقود أخرى. وأنها إن كانت محنة قاسية من وجه، فإنها فرصة واعدة في وجه آخر. الأمر يتعلق بشجاعتنا وصبرنا واجتهادنا. السؤال هنا: هل يمكن الثقافة أن تُشرِّف هذا البؤس العميم ببضع أفكار عظيمة؟ باختراقات فكرية أو فنية كبرى؟ هذا هو "المعنى" الذي من شأنه أن يشهد على عنائنا المطلق الحالي ويبثّ فيه روحا، ويستخرج منه أملاً وحرية. وهو وحده ما يمكن أن يكون "كوة ضوء" في جدار ظلمتنا.


العقبة الكبرى أمام اختراقات مأمولة كهذه، هي في تقديري "الحلول" الوفيرة التي لا يكفّ عن تزكيتها والتنويه بها سحرة متنوعون، إسلاميون وحداثيون. الحلول هذه منفذنا إلى الغيب أو الميتافيزيقا في تقديري، وتاليا إلى الوكالة في الوجود والتاريخ، وإلى اللامسؤولية في الأخلاق والمعرفة، وليس إلى الأصالة ولا إلى التقدم. يجدر بالمثقف حيال هذا الركام، أن يكون كنّاساً بارعاً، يعهد لنفسه تكنيس الحلول، والوقوف أخيرا أمام المشكلة وجهاً لوجه. هذه مهمة هرقلية في الواقع. فما في ثقافتنا وأذهاننا من أشلاء الحلول المتفسخة يفوق ما في زرائب أوجياس من مخلّفات خيوله.

6


قطارنا ليس على السكّة. واقتراحاتي ليست عملية:
أولا، قدر أكبر من الانضباط النفسي والفكري من جهة المثقفين. إن لم تكن الشجاعة، فعلى الأقل الامتناع عن الاشتغال في خدمة الخوف والتطوع في نشره. وإن لم يكن ضبط النفس، فعلى الأقل عدم اعتبار الغاضب المهستر مثلاً أعلى. وإن لم يكن التفاؤل، فأقلّه التوقف عن النضال من أجل التشاؤم. وإن لم يكن الدعوة إلى الثقة والاحترام بين الناس، فعلى الأقل الكفّ عن نشر الكراهية والأحقاد. إن لم يكن التضامن مع الضعفاء، فلا أقلّ من عدم التضامن مع الأقوياء. وإن لم يكن العدل، فلا أقلّ من عدم المشاركة في الجور والاعوجاج. 


وثانيا، التزام شرح عقلاني مركّب للاعقل الحالي. العمل على استخلاص معنى عام منه، أو إنتاج معنى عام يضاف إليه.


أخيرا، يبدو لي أنه لا بد من الصراع على جبهتين مستقلتين. مواجهة الخاووس وعماء أنفسنا والعالم من جهة، ومن جهة أخرى المشاركة في الكفاح من أجل الحرية والعدالة والدفاع عن الأكثر حرمانا والأدنى حصانة والعمل من أجل المساواة، هنا والآن. تتطلب مواجهة الخاووس كثيراً من الخيال والشجاعة والجذرية واتساع الأفق، فيما يلزم من أجل العدل، الشجاعة والواقعية والدأب، والعدل. ليس لأننا في أزمة ثقافية أساسية، ندير ظهرنا للمشكلات العملية المتصلة بالحريات العامة، والتضامن مع الشركاء، والدفاع عن الأكثر حرماناً والأدنى حصانة. وليس لأن هناك مشكلات واقعية، اجتماعية وسياسية، نغفل أزمتنا الأساسية ودنيا الثقافة. ليس هناك حلول سياسية لمشكلة أساسية. لكن أيضا ليس هناك حلول ثقافية أو أساسية لمشكلات سياسية. الثقافة لا تشبع من جوع ولا تؤمن من خوف.


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved